يلتقي الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي نظيره اللبناني ميشال سليمان في مدينة مونترو السويسرية السبت المقبل، على هامش القمة الفرانكوفونية، ويتناول معه الوضع في لبنان قبل بضعة ايام من لقائه رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري الذي يصل الى العاصمة الفرنسية في 26 الجاري في زيارة رسمية تلبية لدعوة ساركوزي.
وأوضحت مصادر فرنسية مطلعة ان باريس استاءت من تصريحات النائب ميشال عون الذي انتقد فرنسا قائلاً «ليتها تعود الى ما مضى»، مؤكدة خيبتها من مثل هذه المواقف.
الى ذلك، تولي فرنسا اهمية لزيارة بري "لكونه يرأس مؤسسة ديموقراطية وهي البرلمان وتريد الأوساط الفرنسية التحدث في هذا الإطار لأن بري حرص على ان يمثل رؤية الوسط فهو ليس لديه قوى مسلحة ولكنه اتخذ دائماً دوراً اذ حرص على ألا تكون المواجهة بلغة القوة، وقدّم نفسه كالسياسي الذي تلجأ إليه القوى المتنازعة، لذا عليه في نظر باريس ألا يفعل مثلما قام به قبل اتفاق الدوحة عندما اخذ مفتاح البرلمان وكانت الأزمة المؤسساتية، مسبباً بذلك اعاقة اي قرار. والآن ترى باريس انه ينبغي ان يلعب دوره الوسطي وألا يكون في المعارضة ويسحب وزراءه من الحكومة، إذا لم يكن هناك مناقشة حول شهود الزور لأنه يخرج من دوره الوسطي. وباريس تريد التحدث مع الرجل الذي يعمل من اجل التسوية وهو في مركز أساسي إذ لديه المفتاح على الصعيد المؤسساتي، إضافة الى ان المنطق وروح المؤسسة التي يرأسها عليهما ان يقوداه الى البحث عن الوفاق والتسوية».
ومن المتوقع ان تبلغ باريس بري ما قالته خلال اتصالاتها الأخيرة التي أجرتها مع مسؤولي دول الاتحاد الأوروبي والدول العربية: السعودية وقطر والإمارات والكويت ومصر وسورية، عن موقفها من المحكمة «لتوعيتهم بمسؤولياتهم أمام القرارات الدولية؛ ويتلخص هذا الموقف بأن أولاً هذه المحكمة الدولية الخاصة باغتيال الرئيس رفيق الحريري أُنشئت كي لا يفلت المجرمون من العقاب وكي لا تزيد الجرائم في لبنان وهذا العنصر الأخلاقي لإنشائها، فهي ايضاً في قانونها تمنع حدوث المزيد من الجرائم؛ وثانياً هناك قرار دولي صدر عن مجلس الأمن وليس فقط من الولايات المتحدة وفرنسا وهو قرار مسؤول عن تنفيذ عدالة دولية هي خارج سيطرة الدول وكانت منذ البداية النية ان تنشأ هذه العدالة من دون سيطرة الدول، والآن لا احد بإمكانه القيام بأي شيء بالنسبة للقرار الظني ولا بالنسبة للمحكمة».
وأضافت المصادر: «باريس ستقول ذلك لبري، إضافة الى التذكير بأن الحكومة اللبنانية منبثقة من انتخابات تشريعية وتمثل غالبية ربحت الانتخابات ولو انه في الإمكان اعتبار ان النائب وليد جنبلاط ومجموعته في الحكومة خرج من هذه الغالبية ولكن الأمر مفتوح للنقاش، فهذه الحكومة وافقت على بيان السياسة العامة وتأييد المحكمة. وليس لفرنسا ان تتدخل وتقول من المتهم، فمن قال ان حزب الله متهم؟ وستقول باريس ايضاً لبري ان لديه دوراً مهماً في لبنان وإذا اراد القيام به فينبغي ان يقوم به كمالك مفتاح مؤسسة البرلمان الديموقراطية حيث ينبغي العمل على الوفاق والتفاهم، والقول إما الحرب أو إزالة المحكمة فهذا غير مقبول لأنه قرار دولي».
وتابعت المصادر: "باريس تعتبر ان بإمكان بري وجنبلاط لعب دور من اجل التفاهم بين الأطراف في لبنان"، مبدية تخوفاً من "وضع على وشك الانفجار وشديد التوتر". ورأت انه «عندما قال رئيس الحكومة اللبناني سعد الحريري في صحيفة «الشرق الأوسط» ان اتهامه سورية كان سياسياً، كان ذلك ليقول ان ليس له ان يقول من المتهم، فعلى المحكمة ان تقول من المتهم، وكانت هذه رسالته، فربما كان هناك بعض الخطأ في الاستراتيجية لأنه اعتقد ان هنالك اختلافاً بين حزب الله وسورية ولكن كان له هامش للتحرك محدود مع تدخل قوى إقليمية حليفة، ولم ير ان سورية عادت كلياً الى سياستها الماضية في لبنان. لكن باريس تتفهم وتدعم الحريري بقوة على رغم بعض الخطأ في الحسابات، فهو رئيس غالبية انتخبت شرعياً وعملت على تشكيل حكومة وفاق تضم كل الأحزاب وحكومته معترف بها دولياً وتعطيلها بالتلويح بالحرب غير مقبول. وترى فرنسا في إصدار مذكرات التوقيف القضائية السورية تشدداً في موقفها ورغبة بقتل المحكمة الدولية».
ورأت المصادر انه "خلال سنتين بقيت سورية صامتة على المحكمة ثم استيقظت واعتبرت ان المحكمة تحولت الى خطر مجدداً لأنها اعتقدت في وقت معين ان المحكمة الدولية ماتت وأنها لن تصل الى اي نتيجة ثم منذ مقال الصحيفة الألمانية «در شبيغل» اعتقدوا انه لن يكون هناك اتهام لسورية وأنه سيتوجه الى مكان آخر".
واعتبرت المصادر ان "لا أحد يعرف من سيكون المتهم. وباريس تتساءل باستمرار حول سياسة سورية في لبنان على رغم انها حتى الآن لم تعد النظر بعلاقتها معها، ولكن هنالك اسئلة مطروحة بقوة إزاء نهجها، فهي قضية حساسة يجرى البحث فيها".
وتتوقع المصادر ان "الأحداث في لبنان والتطورات فيه ستفرض نفسها في اعادة التموضع في السياسة الفرنسية وتقييم موقف فرنسا إزاء دمشق حتى ولو ان الرئيس الفرنسي عين مبعوثه السفير جان كلود كوسران مسؤولاً عن المسار السوري – الإسرائيلي لأن باريس تطمح الى دور على هذا المسار ولكن هناك الكثير من التساؤلات لدى الأوساط المختلفة المعنية بصنع السياسة اليومية مع دمشق إزاء ما تقوم به في لبنان خصوصاً بالنسبة لما حصل اخيراً من مذكرات توقيف قضائية اعتبرتها باريس موجهة الى رئيس الحكومة سعد الحريري لحمله على قتل المحكمة. فهي مذكرات توقيف في نظر باريس من دون اساس وانتربول لن يأخذها في الاعتبار لأنها فارغة من اي اساس أو وثيقة قضائية لها قيمة.
وينبغي التذكير بأنه حتى لو قال الحريري انه يتنازل عن المحكمة فليس بإمكانه توقيفها وحتى لو بعثت الحكومة اللبنانية برسالة الى مجلس الأمن بأنها تريد إزالة المحكمة فهو قرار مجلس الأمن لا يمكن إلغاؤه إلا بقرار آخر من دول مجلس الأمن. وأما بالنسبة للتمويل فحتى لو رفض لبنان التمويل الذي يدفع 49 في المئة منه، يحق لرئيس المحكمة ان يوجه طلباً بالتمويل الى الأمين لعام لمجلس الأمن».
أما عن توقع التطورات في لبنان فمراقبو الملف اللبناني في باريس في مختلف الأوساط يتخوفون من انفجار أمني أو من أزمة سياسية جديدة في الأشهر المقبلة أو الأسابيع المقبلة على رغم ان احداً لا يعرف متى سيصدر القرار الظني ومَن سيكون المتهم.