احتدم الصراع السياسي في الآونة الأخيرة حتى كاد يلامس الاشتباك المفتوح على كل الاحتمالات. وطرحت في الأوساط الاعلامية والشعبية عدة سيناريوهات لما ستؤول اليه الأحوال في لبنان بخاصة بعد الانتهاء من الزيارة التي يقوم بها الرئيس الايراني محمود أحمد نجاد. وتناول الفرقاء السياسيون طروحات عدة تكاد تكون في بعض الأحيان بعيدة كل البعد عن المنطق السياسي المقبول ووصل الخطاب السياسي الى درك لم يسبق له مثيل.
في خضم هذه التجاذبات والتشنجات بقيت "القوات اللبنانية" تنطق بمنطق العاقل تحافظ على هدوئها السياسي وتحتكم الى الفكر السياسي السليم. وفي هذا السياق عمد رئيس الهيئة التنفيذية الدكتور سمير جعجع الى طرح عدة قضايا كان من شأنها لو أخذت بعين الاعتبار أن تحل عقدا كثيرة.
ففي موضوع سلاح "حزب الله" – وهو الموضوع الذي يشكل أكبر عامل فرقة بين اللبنانيين – طرح الدكتور جعجع صيغة عملانية تحفظ كرامة "حزب الله" وتستفيد من قدراته العسكرية وخبراته في مقاومة اسرائيل، ومن ناحية ثانية تحفظ كرامة الدولة وتحترم سيادتها من خلال وضع القرار الاستراتيجي في استعمال السلاح بيد الدولة اللبنانية حصرا. الا أن الفريق الآخر رفض وتجاهل الطرح الذي تقدم به الدكتور جعجع، لا بل انقض عليه ليحمله تبعات واتهامات بعيدة كل البعد عن المنحى العملاني والعقلاني الذي أراده الدكتور جعجع لحل معضلة سلاح "حزب الله".
من ناحية ثانية، وفي خضم كثرة الحديث عن تسلح مختلف فئات وشرائح المجتمع اللبناني، دعا الدكتور جعجع الى الالتزام التام بمؤسسات الدولة وبخاصة الأمنية منها من جيش وقوى أمن داخلي لحماية المواطن اللبناني لأي فئة سياسية أو طائفية انتمى. ولقد تم التأكيد على هذا التوجه من مختلف المسؤولين في "القوات اللبنانية" مرارا وتكرارا وحذى حذوهم جميع قيادات قوى الرابع عشر من آذار. وكان الرد على ذلك أن اتهم الفريق الآخر "القوات اللبنانية" عشوائيا ومن دون أدنى دليل بالتسلح وتدريب عناصرعسكرية تابعة لها. الا أن نفي هذه الاتهامات جاء هذه المرة على يد أرفع مرجعية في الدولة اللبنانية عنيت رئيس الجمهورية ميشال سليمان الذي أكد أن لا تسلح ولا تسليح وكل ما يتم بثه في هذا الاطار غير مثبت بأي دليل.
أما في ما يتعلق بما درج على تسميته "شهود الزور" فلقد كان لـ"القوات اللبنانية" موقف واضح وصريح: فلننتظر القرار الظني الذي سيصدر عن المدعي العام في المحكمة الدولية ولندرسه باتقان فاذا تبين أنه بني على باطل أو تضمن محض افتراءات أو كان غير مسند الى أدلة وبراهين فستكون "القوات اللبنانية" أول من ترفضه وتنتقده. أما أن يتم تسجيل المواقف قبل صدور القرار الظني فهذا يخفي النوايا المبيتة لضرب المحكمة الدولية واسقاطها بالمطلق قبل حتى معرفة ما سيؤول اليه القرار بحجة أن هذا القرار سيخدم مصالح اسرائيل في المنطقة. وكان الرد على منطق "القوات" أن تم الرجوع الى ملفات الحرب الأهلية ونبش قضايا تم فبركتها أساسا لضرب "القوات اللبنانية" وهي حقبة تواطأ اللبنانيون جميعا على طيها كليا والا لكانت فتحت أبواب المحاسبة والمساءلة على الجميع وما كان بالامكان اقفالها.
أما على الصعيد المسيحي، فلقد تقدم الدكتور جعجع بمبادرة ايجابية تجاه شباب وشابات "التيار الوطني الحر" دعاهم فيها للتقارب ومد اليد والالتقاء على القواسم المشتركة التي ناضلوا من أجلها سويا مع شباب وشابات "القوات اللبنانية". وكانت دعوة صريحة صادقة من شأنها أن تخفف من حدة التباعد بين جمهور الحزبين لا بل تؤسس الى مرحلة جديدة من التعاون بين جمهور "القوات" وجمهور "التيار" مما قد يعكس ارتياحا على الساحة المسيحية. الا أن الرد جاء سلبيا على لسان المقربين من النائب عون الذين تهجموا على "القوات" ورئيسها فعادوا الى نكء جراح الحرب الأليمة وتنكروا لكل نضالات جمهور "التيار" التي خاضوها سويا مع القواعد القواتية في المرحلة السابقة. وساعدهم في التهجم حلفاؤهم في "8 آذار" الذين أصبح شغلهم اليومي التصويب على "القوات اللبنانية" وعلى رئيسها مستندين الى ملفات فبركوها هم ومن يدعمهم للنيل من مشروع "القوات السياسي" الذي يرتكز بشكل أساسي على بناء الدولة الفعلية. أضف الى ذلك الاتهام الذي وجهه النائب عون للدكتور جعجع بالتسلح من دون أن يقدم أدنى دليل على صحة أقواله التي هي ليست أكثر من محض افتراءات.
ان هذه الايجابيات كلها التي عملت "القوات اللبنانية" على تقديمها وطرحها في الساحة السياسية هي من شأنها أن تؤسس حكما لمرحلة توافق فيما لو كان الطرف الآخر يريد فعلا التوصل الى حلول. أما أن يتم رفضها بالمطلق لا بل التهجم على "القوات" في كل مرة تقدم فيها طرحا جديدا الا هو خير دليل على أن الفريق الآخر لا يريد حلولا وسط لا بل يصر على أن يصل بالبلاد الى مشروع سياسي يتنافى مع توجهات الأغلبية العظمى من اللبنانيين حتى لو كان ذلك عن طريق الانقلاب. هذا ناهيك عن رفض كافة الحلول والمقترحات التي تقدمت بها قوى الرابع عشر من آذار وحتى بعض التنازلات التي تقدمت بها هذه القوى حرصا منها على سلامة الوطن والسلم الأهلي قوبلت بمزيد من التهجم والتجريح والمكابرة.
الرسالة وصلت فلنقرأها جيدا…!