انفكت عقدة لسان المحللين بعدما انتظروا أن تلوح في الأفق جلبة جديدة غير تلك التي أغرق فيها حزب الله البلاد مع زيارة الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، وبعدما "انربط" لسان السياسيين الذين أصبحوا كلهم فجأة "تهدويين" وبعدما "انبهر" الشعب اللبناني بالحال "الشعرية" التي أغدق الحزب أوصافها على "ولي نعمته" بدا المشهد مضحكاً – مبكياً، تذكرنا شعراء المديح في بلاط الخلفاء، "تاري" هذه العادة فارسية أيضاً – وهي عند الكسرويين أشدّ وأدهى في تعظّمها وتكبّرها من العرب – طال عمركم – الذين يحبون المدح حتى "الانبجاج"!!
وتذكّرنا "أبو الطيب المتنبي" في بلاط "كافور الأخشيدي" وليس في بلاط سيف الدولة الحمداني مع أن المدحين في البلاطين الحلبي والمصري كانا مدفوعي الأجر، هكذا كان حال مدح الرئيس نجاد في لبنان، فالعملية الشعبية الشحنية الهائمة غراماً وعشقاً مدفوعة الأجر أيضاً وعلى طريقة المثل: "من دهنو وافتلو"، أي "من دهنو سقيلو" "فالجماعة يعيشون على المائدة الإيرانية ومن يأكل خبز "كسرى" عليه أن يضرب بسيفه…
وروحانية أبو الطيب المتنبي حضرت ونحن نسمع المدبجات المطولات الشعرية "النافرة" والتي لا تصلح لمخاطبة رئيس دولة في الزمن الحديث، خصوصاً وهي تتماهى وتتقطع عبر كاميرا المنار في إخراج تقني ما بين رومانسية كلمات عريف الاحتفال وهو يخاطب الضيف منادياً إياه بـ"يا قمراً يطلع"… "يا خيي من وين لوين قمر"؟!! ثم تذكرت المتنبي يوم مدح كافور الأخشيدي بقوله: "أيتها الشمس السوداء"…
أما رومانسية خطاب النائب محمد رعد الذي كان يذوب رهافة – على غير عادته إذ لأول مرة رأينا ابتسامته على اعتبار أنه يظل عاطي الشعب الوهرة – فكان يقول للضيف متلهفاً: "أرمق بعينيك جماهير…"، فيضرب المخرج والمصور الكاميرا على عينا الرئيس الضيف الصغيرتين…
وأخيراً انفكت الألسنة وانكشف الحديث عن "بازار" دخله الجميع حول لبنان، بعضهم أكد لنا أن "ثمن لبنان والصفقة عليه وعلى ظهر شعبه" تساوي: لبنان = كرسي رئاسة المجلس النيابي في العراق!! هذا من دون الحديث عن التصريحات اليومية لبعض السياسيين الذين "تبرم أنتاناتهم" برمات عديدة وكاملة من تصريح إلى آخر، أو همروجة "القمم" المنعقدة وغير المنعقدة وحركة "سري مري" التي حكمت البلد، وفي هذا البازار، بما أن لبنان دخل الموسم الإيراني رسمياً، وللصدف كلمة بازار فارسية وهي تعني مكان عرض السعر أو الثمن أو القيمة، إلا أننا شعباً ودولة في هذا البازار لسنا أكثر من بضاعة "بزرميط" من كلمة "PIZZAR" وهي كلمة فرنسية الأصل بمعنى "غير متناسق"، وبما أننا وصلنا إلى هذه "المواصيل"، وهكذا وعلى عينك يا تاجر يجتمع البعض ليعقد تسوياته ومصالحاته على ظهر الشعب اللبناني وشهدائه، وها قد جاءنا حديث حلف الممانعة الفارسي والتركي، ثم "طب علينا على غفلة" جيفري فيلتمان، فجأة تذكرنا باراك أوباما وجاء فيلتمان ليقول لم نتخل عنكم، الكل يدعون الحرص على لبنان، لكن عملياً ما يحدث هو أننا نباع في سوق النخاسة العربية والإقليمية وبأبخس الأثمان!!
الخاسر الوحيد في هذا المشهد اثنان: الشعب اللبناني، والشهداء من الرئيس رفيق الحريري وصولاً إلى الشعب اللبناني الشهيد – الحي فالشعب الذي جاء بالمحكمة أمام شاشات العالم تركها لسياسيين يخضعون أو يُخضعون لتنفيذ – وليس لعقد – صفقات، ولا يملكون حتى أن يقولوا لا!! عملياً نحن شعب "هردبشت" (خليط من العربية والتركية والفارسية) والـ"هردبشت" هو صانع السلطة التي ترهبه، وسياسيونا وحكامنا "خنتريش" (شي عتيق وخربان ولا فائدة من ورائه)، وأننا بضاعة "رتش"، لأننا نستمع يومياً إلى كلام "شندي بندي" (كلام بلا معنى وخال من المسؤولية) ونسكت على قائليه، لأننا نظن أنفسنا شعباً "فهلوي" (كلمة فارسية الأصل تطلق على مَن يتميّز بالجرأة وسعة الحيلة)، فيما نحن شعب "حوبة" (كلمة دمشقية)، لأنه لا يعرف كيف يدبّر أموره، ربما نحن شعب "أندبوري" (مفلس)، نتسكّع ونستعطي وطننا وأماننا واستقرارنا على أبواب الأمم أو من تحت أحذية الأخوة!!
أما أسوأ ما نكتشفه في هذه الأيام أننا شعب "قتلنا شهداءنا بأيدينا ومرتين: الأولى عندما لم نحمهم، والثانية ونحن نلتزم الصمت وهو يقايضوننا على دمائهم"… وسلامات يا عرب، لبنان لن يكون أغلى من فلسطين، والشهداء ليسوا أغلى من القدس، وعادة "العربان" التفريط والنسيان!!