#adsense

اذهبوا إلى الحوار الصعب والصريح

حجم الخط

إذا كان الحل في التهدئة وفي الحوار، كما نقل عن الرئيس الايراني، فهذا امر طيب، بمعزل عما اذا كان مبشرا ام لا. وينبغي ان ينظر اليه في ضوء الاتصال الايراني – السعودي، عشية زيارة محمود احمدي نجاد للبنان، معطوفا على النصيحة السعودية الثلاثية ("تحاوروا وتصالحوا وتوحدوا")، مرفقا ايضا بالصيغة السورية الملتبسة بأن ما يحصل هو "شأن لبناني داخلي"، مسندا بما قاله رئيسا الجمهورية والحكومة اكثر من مرة، وبما لمح اليه رئيس مجلس النواب احيانا. لكن "حزب الله" وحليفه "التيار الوطني الحر" لم تسمع منهما طوال نحوخمسة شهور اي كلمة مرادفة للتهدئة او للحوار، بل سمعت تهديدات بالمقايضة بين القرار الظني والفتنة، وبين الغاء المحكمة والغاء الدولة.

الى الحوار، اذاً، فلا خيار سواه. وليكن معلوما انه يضع مسؤولية الاطراف على المحك، فهم محكومون بايجاد حلول، وليعلموا مسبقا ان الحلول الوسط قد تبدو معدومة ما دامت الاهداف بالغة التناقض. اما الحلول البراغماتية فممكنة، وللتوصل اليها يفترض دفع المصارحات الى اقصاها. قد يبدو ذلك تعجيزا، لكنه حاسم في بناء علاقات تعايش وعمل مشترك، فالتصارح وحده كفيل بعرض هواجس كل طرف وتظلماته.

من شأن الجميع ان يعولوا على معادلة "س – س"، او حتى معادلة "س – إ – س" بعدما برهنت زيارة نجاد ان طهران و"حزب الله" يريدان ان تكون ايران عنصرا فاعلا في نسيج النفوذ الخارجي في لبنان. لكن من شأن الجميع ان يتأكدوا ان الحل لا بد ان يكون داخليا في نهاية المطاف، اذ ان المعادلات الخارجية معرّضة لعوامل الامراض الاقليمية والدولية. ولا سبيل الى تصور وفاق مثالي دائم بين الإقليميين، او بينهم وبين الدوليين. فالمصالح متأرجحة ولبنان كان ولا يزال ساحة لتصارعها برغبة ابنائها او على الرغم منهم.

اذا كان للحوار بين طرفي الازمة ان يكون هادفا ومجديا فلا بد له من ان يواجه الحقائق القاسية، والاهم انه يجب الا يكون هناك اي سلاح على الطاولة، فوجوده يفرض منطقه لان حامله سيلجأ الى التهديد كلما اعوزته الحجة او عز عليه ان يقدم تنازلا.

وهذا السلاح بنى ثقافة تعامل داخلي لا علاقة لها بالحوار او بالاعتراف للآخر بحقوقه ونديته في البلد. وللعلم، فالانقسام ليس بين مذهبين ولا بين طائفتين، وانما بين رؤيتين لواقع البلد ومستقبله. ومن هذا المنطلق، كان ظلما كبيرا للبنانيين ان يدفعوا دفعا الى مثل هذا الموقف المستحيل الذي احتقر عقولهم، وأفسد الود والتآخي في ما بينهم، وقطع احيانا الحوار بين ابناء الاسرة الواحدة، والاخطر انه بدد معالم "المصلحة الوطنية" الواحدة حتى باتت تختزل في مزايدة سقيمة بين "المقاومة" والمحكمة الدولية، بين واجب الدفاع عن الوطن والحق في السعي الى العدالة ومعرفة الحقيقة في قضية الاغتيالات. هذه المزايدة المجحفة موضعت كل طرف في موقع الخطأ في حق الآخر.

وفي خضم هذه المنازلة بين منطقين مترافضين كان من الطبيعي ان يهبط كل طرف الى درك الاستخفاف برموز الآخر وطموحاته. ثم كان اللجوء الى السلاح لحسم خلاف داخلي وما سبّبه من جرح عميق في وجدان جزء من الشعب وشعور اجوف بالانتظار والتفوق لدى الجزء الآخر منه. وطوال الوقت كانت هناك "المؤامرة" التي تستحضرها الرطانة الخطابية لتصمّ بها الاخ والجار والبعيد والقريب. نعم، هناك "مؤامرة"، موجودة وستبقى، وهي على الجميع لا مع فئة ضد فئة، موجودة وتستخدم الجميع بمن فيهم اولئك الذين يتباهون بالتطهر منها.

دعكم من "المؤامرة" واذهبوا الى المصارحة الداخلية الكبرى لنرى اي حل وطني خلاق يمكنكم ان تخرجوا به. فكل السيناريوات الخرقاء التي خطرت في العقول يمكن ان تنفذ لكنها تذهب الى لا مكان، وتتمناها اسرائيل قبل ان يتمناها حزب المقاومة، والاكيد انها سيناريوات لا تحقق مصلحة اي لبناني ايا يكن انتماؤه الديني او السياسي.

في البلد قضيتان غير متجانستين، لكنهما تداخلتا غصبا عنهما، بمعزل عن التنظيرات الكثيرة لشرح اتصالهما. عنوان الاولى هو "المقاومة" وعنوان الثانية "المحكمة". كلاهما مبدئيا فيه مصلحة لبنانية، ويجب صونهما ايا تكن الكلفة، كما يجب الا تُطرح التضحية بأي منهما من اجل الاخرى. هذا في المبدأ، وعلى هذا الاساس يفترض ان يخاض الحوار الصعب والصريح اذا كان له ان يسمي الاشياء باسمائها. ولا بد ان يكون واضحا ان احدا ممن يتمسكون بالمحكمة سعيا الى كشف القتلة اراد في اي يوم ان يتعرض للمقاومة باي اساءة. وفي المقابل يتوقع من المقاومة الحريصة على البلد واهله، على امنه واستقراره، الا تستهين بطموح جزء كبير من اللبنانيين الى احقاق العدالة. ثم ان الحوار هو فرصة الفرص لمن لديه ادلة على تورط اسرائيل في الاغتيالات.

لا شك في ان الانقسام حول المقاومة والمحكمة شكّل الثغرة التي نفذ منها كل انواع المؤامرات. فالمقاومة اصبحت تحت الضغوط بعد عام 2000 لانها اصبحت في نظر الداخل والخارج حزبا عقائديا مسلحا، ولذلك بات عليها ان تكتفي بالتغطية السورية – الايرانية التي تكفي لقمع الاختلاف حولها في الداخل ولا تكفي للنأي بها عن المخاطر. اما المحكمة فحتى اشد المؤيدين لها في المجتمع الدولي اخفقوا في ان يبعدوا عنها الشبهات، حتى لكأن احدا منهم لا يريد الحقيقة فعلا وانما يريد "الحقيقة" التي تخدم اغراضه، وعند هذه النقطة تبدو مصالح مريدي المحكمة ومناوئيها كأنها متطابقة.

لكن ما يهم اللبنانيين هو ان يحصل حوار هادف وجدي لمواجهة الشكوك التي نخرت في اعماق المجتمع. فالمطلوب ان يوضح "حزب الله" موقفه على نحو يطيح كل الشكوك. والاهم على اي حال ان يتوصل اي حوار الى بلورة صيغة للتعايش بين فئتين ترتاب احداهما بان الاخرى متورطة في الاغتيالات. وحدهم اللبنانيون مطالبون بحلّ هذه المعضلة ولا يحل محلهم احد من اصحاب النفوذ الخارجيين.

المصدر:
النهار

خبر عاجل