مشروع نجاد هو "الفصل بين الحضارات" بدل تصارعها وتمازجها.. و"بيروسترويكا" أوباما وراء انتفاخته الطاووسية
الطموح الامبراطوري الإيراني يسير نحو الاصطدام بالخطوط الحمر
يشهد "المشروع الإيرانيّ" في الشرق الأوسط إنتفاخة طاووسية غير مسبوقة منذ عدّة قرون، والطاووسية تعني في هذا المجال أنّه مشروع لا يستمدّ العناصر الأساسيّة لإندفاعته من ذاته، ولا من نهوض حضاريّ حقيقيّ يسنده، ولا حتى من الرسالة الخلاصية التي يحملها، وإنّما يستفيد من أزمة متفاقمة في سياق ما اصطلحنا على تسميته، من بعد صموئيل هانتنغون، وقبله فرنان بروديل، بـ"صدام الحضارات".
السبب الأوّل وراء الإنتفاخة الطاووسية لـ"المشروع الإيرانيّ" هو الحصيلة الإقليمية للحربين الأميركيتين على أفغانستان والعراق. البعض يردّها إلى تهوّر وانفراد إدارة الرئيس جورج بوش الإبن و"المحافظين الجدد"، وإلى افتقاد الولايات المتحدة الأميركية في الأساس للتقاليد الإستعمارية. والبعض الآخر يردّها إلى تعفّف ساذج أو خبيث في بلدان أوروبا العجوز التي سارعت إلى تبرئة نفسها من أساسيّات "الحرب العالمية على الإرهاب" مع أنّ الهجمات طاولتها في لندن ومدريد. هناك أيضاً من يردّ المسألة إلى تبعات الأزمة الإقتصادية والمالية العالمية التي بدلاً من أن تجفّف المصادر المالية للإرهاب والمروق جفّفت المصادر المالية للحرب عليهما. وهناك من يؤثر التفسير السياسيّ على التفسير الإقتصاديّ، ويعيد المشكلة إلى ضعف وتصدّع المبادرات التقريريّة في الديموقراطيّات التمثيليّة الليبرالية، شاملاً بهذا التفسير النتائج الكارثية لـ"بيروسترويكا" إدارة الرئيس باراك أوباما ناهيك عن تلك الثلّة من الشخصيات التي يعبّر إحتلالها لمواقع رئاسية في دولها، شأن ساركوزي وبيرلوسكوني، عن أزمة بنيويّة مستفحلة في الديموقراطيّات. والحقّ أنّ لكل تعليل حيثيّاته المقنعة، إلا أنّها تصب كلّها في النتائج الكارثية لـ"بيروسترويكا" باراك أوباما.
أمّا السبب الثاني وراء الإنتفاخة الطاووسية لـ"المشروع الإيرانيّ" فهو التداخل بين مسارات "الإحياء" في هذه المنطقة (من موقع الإنتصار للتراث بوجه الحداثة، ومن موقع الإنتصار لـ"العصر الذهبيّ" الأسطوريّ بوجه التقليد ضمن هذا التراث، ومن موقع ابتداع حداثة تراثية مضادة للحداثة الغربية) وبين مسارات "الفتنة". والفتنة في يومنا هذا تحوّل "المذاهب" إلى ما يشبه "الأعراق"، وتعيد شحن إنقسامات ونزاعات عرفها التراث، وتدخل القسمة الأيديولوجية الراهنة بين "مقاومي المستعمر" و"أعداء المستعمر" إلى التراث نفسه بشكل أو بآخر، هذا في الوقت نفسه الذي يصار فيه إلى إتهام الإستعمار، ومعه الإستشراق الغربيّ، بالحضّ على الفتنة والترويج لها.
إنّ "المشروع الإيراني" هو مشروع الترابط المنهجيّ بين "الإحياء" وبين "الفتنة"، كما هو مشروع "تنجيس" المخالفين عقائدياً و"تخوينهم" وطنيّاً وحضاريّاً، بل أنّه من مفارقات هذا المشروع أنّ شعور الإنتماء الوطنيّ الكيانيّ صار يحتسب لديه على أنّه دليل خيانة، وكذلك الشعور القوميّ العربيّ، فأن تكون "العروبة" بمعناها الحديث قد نشأت قبل عقود من قيام الدولة الصهيونية فهذا أمر مرفوض ونجس بالنسبة إلى "المشروع الإيرانيّ".
وفي هذا المجال لا بدّ من الإعتراف بأنّ "المشروع الإيرانيّ" استفاد على الصعيد الفكريّ والأيديولوجيّ من نقائض عدّة. استفاد من التقاليد المعادية للديموقراطية التي بثّتها الفكرة القوميّة العربية في الأجيال. واستفاد من بعض النقد الليبراليّ "الشعوبيّ" للفكرة القوميّة العربيّة، حيث غالى هذا النقد في محاربة "الشعبوية" القومجية، إلى حد أنّه أضعف تقليد الإحتراس العربي من إيران، جغرافياً وثقافياً، فكيف الحال بعد أن أطلّت إيران بمشروع "أيديولوجيّ" من طبيعة شموليّة؟.
أيضاً وأيضاً، استفاد "المشروع الإيرانيّ" من تعويل العرب عموماً، وليبرالييهم وتقدمييهم خصوصاً على إصلاحية السيد خاتمي، وعلى أطروحة "حوار الثقافات"، فبدل أن يصار إلى الإعتراف بأنّ "صدام الحضارات" هو واقع، و"حوار الثقافات" هو المرتجى، وبأن "الفتنة" كابوس واقع، والنجاة منها تحتاج إلى جهود جبّارة، فقد جرى تصوير "حوار الثقافات" كما لو أنّه كان قائماً متأصلاً في تاريخ وجغرافيا المنطقة، وهذا طبعاً ما سمح للمنقضين على الخاتمية في إيران بأن يفرضوا نموذجهم لـ"حوار الثقافات"، ذاك الذي رأيناه في خطبتي محمود أحمدي نجاد في ملعب الراية وبنت جبيل: تفسير كل شيء بـ"نظرية المؤامرة" وإدعاء تمثيل الخير المطلق في مواجهة الشرّ المطلق.
والسبب الثالث وراء لـ"المشروع الإيرانيّ" هو التداخل على الصعيد العالميّ بين نوع جديد من "كره اليهود" وبين نوع جديد من "رُهاب الإسلام" أو "الإسلاموفوبيا". لقد أدّت السياسات الشارونيّة الإجرامية تجاه الفلسطينيين، وضدّ الشرط الأساسيّ للسلام في الشرق الأوسط الذي عبّرت عنه شخصية وكفاح القائد التاريخي ياسرعرفات، إلى موجة جديدة من "كره اليهود" عبر العالم، وزاد من ذلك طعن الغربيين في حاجتهم إلى الدولة الصهيونية، وتصويرها بأنها أضحت "عالة عليهم" ومضرّة أخلاقياً وأمنياً بسمعتهم، ومتسبّبة بصدام الحضارات بين الشرق والغرب، وبالتالي بتضخّم عدد المسلمين المهاجرين في الغرب. وهذا تداخل مع تصاعد حدّة "رُهاب الإسلام" أو "الإسلاموفوبيا" في بلدان الغرب، بل أيضاً في روسيا والهند.
هنا حضر "المشروع الإيرانيّ" ليطرح حلّ، لمشكلتي الغرب مع "اليهود" و"المسلمين": الفصل بين الغرب والشرق وإعادة صياغة إيران للشرق الأوسط. التعامل مع "اليهود" في الشرق الأوسط و"المسلمين" في الغرب كجاليات يجري التفاوض عليها في إطار "الفصل بين الحضارات". طبعاً، يبدو هكذا حلّ أسطورياً إلى حد كبير، لكنّ "المشروع الإيرانيّ" يعتمد على تجربتي "حزب الله" في جنوب لبنان و"حماس" في غزّة للإيحاء بأنّها قرائن كافية لتطبيق سياسة الفصل بين الغرب والشرق على أساس تصفية "صلة الوصل الصهيونية" بينهما.
من هنا ليس كافياً القول إنه مشروع معارض لجوهر وجود الدولة الصهيونية في مقابل الإجماع العربيّ منذ مؤتمر مدريد ووصولاً إلى مبادرة السلام العربية على التسوية. إنّه مشروع معاد في الأساس للفكرة الكيانية الفلسطينية، كما تجسّدت في الثورة الفلسطينية، ثورة ياسر عرفات. وهو مشروع معاد لفكرة الدولة الوطنية أو الدولة الأمة بالمعنى الحداثيّ للكلمة، سواء كانت دولة وطنية ممتدة عربية، أو عدة دول وطنية عربية، أو حتى الدولة الوطنية التركية. "الممانعة" بالنسبة إلى هذا المشروع صنو الإمبراطورية. الممانعة عنده إمبراطورية في طور التأسيس.
مع ذلك فإنّ هذه الإمبراطورية التي في طور التأسيس تتمدّد في كل مكان من الشرق الأوسط دون أن تكون قد خرقت إلى الآن أياً من الخطوط الحمر التي ارتسمت منذ نهاية الإمبراطورية العثمانية، ولا أياً من الخطوط الحمر التي كرّسها ربط المنطقة بمنظومة المجتمع الدوليّ. وباللغة السياسية، فان الخطوط الحمر تخرق إذا ما قام هذا المشروع بمحاولة للإستيلاء الشامل على لبنان، أو لتوسيع عنفيّ نوعيّ للمناطق الخاضعة تحت سيطرته المباشرة، وهذه الخطوط تخرق في فلسطين إن جرى تعميم نموذج غزّة في الضفّة، وهي تخرق في الجزيرة العربية إن جرى تعميم نموذج دعم الحوثيين، وهي تخرق في العراق إن جرى فعلاً الضغط بإتجاه عراق "ما بعد إنسحابيّ" إقصائيّ للسنة العرب، وتهميشيّ للأكراد السنّة.
الى الآن، ما زالت لدى هذا المشروع القدرة على أن يتمدّد دون أن يصطدم بـ"الخطوط الحمر". إلا أنّ حركة تمدّده تسير باتجاه الإصطدام بهذه الخطوط، فضلاً عن الخط الأحمر العلمي التقني الصرف المتصل بالمشروع النووي. والى الآن، فإنّ اتجاه ايران للاصطدام بالخطوط الحمر هو أكبر وأسرع من اتجاه الغرب للاصطدام بإيران، وكل تلكؤ للغرب في هذا المجال لن يفعل الا تسريع اصطدام ايران بالخطوط الحمر، وعندها فإن نموذج ميلوسوفيتش وصدّام سيتكرّر إنّما هذه المرّة في صيغة تدميريّة أوسع، أي في "حرب عالمية ثالثة" مصغّرة، بحيث لا تكون "الحرب العالمية على الإرهاب" التي أعلنها جورج بوش الإبن إلا توطئة لها.