#adsense

أبعد من الوصاية المعنوية

حجم الخط

أبعد من الوصاية المعنوية
"ولو خلقت قلوب من حديد
لما حملت كما حمل العذابا"
أحمد شوقي

 
في لقاء تثقيفي الثمانينات من القرن الماضي كان السيد حسن نصرالله يجيب على مجموعة من الأسئلة كان المجتمعون يطرحونها للاستفسار عن توجهات "حزب الله" السياسية والفقهية. وفي جواب عن الأفق السياسي لعمل "حزب الله" أكد السيد نصرالله أن الهدف النهائي هو إنشاء جمهورية إسلامية في لبنان ولكن هذه الجمهورية لن تكون مستقلة بل تابعة للجمهورية الإسلامية القائمة أصلاً في إيران تحت الراية الجامعة "لوكيل صاحب الزمان صاحب الولاية الإمام الخميني قدس الله سرّه".

وفي جواب عن سؤال آخر، وفي ظل الصراع الفقهي الذي كان قائماً بين المرجعيات، أكد السيد نصرالله على أن المرجعية النهائية والمعصومة هي حصراً بيد الولي الفقيه.

وبالعودة الى البيان التأسيسي لـ"حزب الله" فإنه يؤكد على انتماء الحزب الى أمة "حزب الله" التي حدّد نصرالله طليعتها في إيران تحت لواء الولي الفقيه "الجامع للشرائط".

لذلك، فعلى الرغم من منطق "التقية" الذي طبع بعض خطابات "الرئيس الإيراني" في لبنان، فإن الحبور الذي كاد أن يدفع الدمع الى عينيه خلال احتفال "ملعب الراية"، يؤكد على أن احساسه كان يشابه شعور "الفوهرر" عند زيارته "الشانزليزيه" ربما لأول مرة في حياته بعد احتلال فرنسا لأنه بدأ يشعر بأن مشروع مد سلطة الولي الفقيه الى كل لبنان أصبح قاب قوسين. هذا مع العلم ان منطق الولاية الجامعة والمطلقة للولي الفقيه وعصمته على المستوى المدني هي محط خلاف شديد ضمن الأوساط الفقهية الشيعية، وقد كانت واضحة في لبنان من خلال الخلاف مع الإمام الراحل السيد محمد حسين فضل الله، ومع الكثير من المرجعيات الكبرى في العراق وحتى في إيران لدرجة وضع بعضها في الإقامة الجبرية.

مع كل ذلك، فقد تمكن "حزب الله"، وعلى خلفية تقاطع الأحداث والوقائع التي حكمت المنطقة على مدى ربع قرن، من أن يفرض رؤياه الفقهية والسياسية على الاجتماع الشيعي في لبنان. وقد أكدت كل الأبحاث الموضوعية التي أجريت ميدانياً على مدى السنوات الماضية، أن جملة من الأمور أدت الى فرض هذا الواقع من ضمنها ما هو اجتماعي واقتصادي وديني وزبائني، ولكن أهم عنصر هو اعتبار معظم الجمهور أن السطوة التي يتمتع بها "حزب الله" من خلال السلاح هي العنصر الذي صحح الخلل التاريخي للواقع الشيعي الاجتماعي والسياسي والاقتصادي في لبنان.

لقد أتقن "حزب الله" استعمال هذا الواقع مع اللعب على حافة الاستثارة المذهبية من خلال التكرار الدائم للشعارات التاريخية التي شكلت على مدى عدة قرون سبباً للانقسام المذهبي الإسلامي.

أما من ناحية أخرى فإن "حزب الله" كان قد انطلق من موقع صلب وهو مسألة مقاومة العدو الصهيوني، وهو الشعار الذي يعطيه مشروعية مطلقة خاصة على المستويين العربي والإسلامي البعيدين عن ملامسة هذه التجربة على أرض الواقع، وتمكن أيضاً من أن يوصم كل من يعارض "حزب الله"، ولأي سبب كان، بمعاداة المقاومة وبالتالي التعاون مع المشروع الأميركي الإسرائيلي.

وبالتالي أصبحت قوى 14 آذار التي تسعى الى وضع كل مقومات القوة في لبنان، ومن ضمنها المقاومة تحت سلطة القرار السياسي للدولة، في موقع الساعي الى تدمير المقاومة.

وأصبحت القوى التي تعتبر تبعية "حزب الله" للقرار السياسي والعسكري الإيراني مضرة للدولة اللبنانية، في موقع التآمر على المقاومة.
ومن نافل القول عن سعي هذه القوى الى تحقيق العدالة من خلال المحكمة الدولية التي يعتقد "حزب الله" أنها سوف تكون موجهة ضده، ما هو إلا تماشٍ مع المشروع الصهيوني الساعي الى محاصرة المقاومة.

بالمحصّلة فإن كل ما سبق ما هو إلا محاولات متكررة على مدى ربع قرن من وجود هذا الحزب للوصول الى الهدف الذي يعتبره إلهياً، ألا وهو مد سلطة الولي الفقيه والجمهورية الإسلامية التابعة له على أكبر مساحة من الارض تمهيداً للمعركة النهائية المفترضة بين الخير والشر.

وهذا يعني أن حياة الناس والشعوب والبلدان ليس لها أية قيمة في مقابل تحقيق هذه الأهداف، وكل من تسول له نفسه إعاقتها وجبت تصفيته سياسياً أو حتى جسدياً.

لذلك فإن هذا المشروع هو أبعد بكثير من الولاية المعنوية لأنه يلزم "المؤمنين" به بالإطاعة العمياء لتوجيهات "القائد المعصوم" والسعي بكل الوسائل الى مد سلطته.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل