مرةً جديدة يحاولون تغيير وجه لبنان الحضاري والراقي واستبداله بوجهٍ مقنّع، مصطنع ومقيت لا يليق بشعبه ولا بحضارته ولا بثقافته أو بتراثه أو بتقاليده، فلبنان ذو الوجه العربي وذو اللسان العربي كما كان يصفه الرئيس الراحل كميل شمعون، حاولوا إسقاط لغته العربية في عقر داره ولو بعبارة واحدة "خوش آمديد" والتسلل من خلالها إلى عقول المجتمع اللبناني والبدء بالترويج للعصر الفارسي واللغة الفارسية، وكأنّ عبارة "أهلاً وسهلاً" فقط لا تليق "بالضيف الكبير" ولا تعبّر عن قاسم مشترك بين اللبنانيين والإيرانيين، لذا بات لزاماً وضرورياً استخدام العبارات الفارسية لكسب الرضا والودّ وليكون الولاء لبلاد الفرس أولاً. وقد يقول أحدكم ان هذا من حيث الشكل، فماذا في المضمون؟
نعم، هذا صحيح، عبارة لبنانية، عربية سقطت وارتفعت مكانها عبارة فارسية وانتهى الموضوع. إلى هنا يبدو المشهد بسيطاً، أما أن يُستتبع بمشهدٍ آخر نافر، يستفز مشاعر كل لبناني أصيل، عريق، مثقّف وناضج، هذا المشهد عنيت به اللقاء المصوّر لأحدهم الذي يُقدّم بندقية حربية "للضيف الكبير".
نعم، يهديه آلة قتل وفتك، آلة تُفقد رونق الحياة وتزهق الأرواح، ولا تبشّر إلاّ بالشر المطلق.
نعم، مرة أخرى يحاولون استبدال وجه لبنان من خلال رمزية السلاح والبندقية، بدل إهدائه غرسة أرزٍ لبنانية تختزن العزّة والكرامة والعنفوان، أو درعاً تقديرياً أو وسام شكر أو لوحة تذكارية.
نعم، فقد أسقطوا من حساباتهم كل هذه التقاليد التي يفوق عمرها مئات السنين ليحلّ مكانها مشهد آخر.
نعم، فقط أسقطوها واستبدلوها بلوحة قتلٍ حيث بدا للعالم أجمع أن ثقافة الحرب والموت، والقوّة والتعجرف هي الثقافة السائدة لدى مَن يمثّل هذا المرجع الذي يصرّ على تصوير لبنان على غير حقيقته.
وأكثر من ذلك فقد أصرّ "الضيف الكبير" على المسّ بمشاعر المسيحيين كافةً من خلال النطق بكلامٍ غير مدروس ينمّ عن جهلٍ وعدم معرفة عمق الديانة المسيحية ولا يدلّل أبداً عن فهم الحدّ الأدنى للكتاب المقدّس، فكان حريّاً به عدم تناول مواضيع حساسة غير ملّمٍ بها فيكشف المستور وينطق بما يضمر لنا وبما يسعى إليه، أي بجعلنا أتباعاً لا أسياداً ولا أحراراً.
والأكثر غرابةً هو أن المسيحيين الحلفاء لـ"حزب السلاح" لم يحرّكوا ساكناً، وكأنّ الأمر يحدث على سطح القمر أو في كوكبٍ آخر وهنا مكمن الخزي والعار.
نعم، إنها الحقيقة المرّة: ففي لبنان خطان متوازيان لا يلتقيان، وثقافتان مختلفتان، ثقافة الحياة وثقافة الموت، ودولتان لا تتشابهان، دولة الحزب والدولة الدولة، ومشهدان متنافران، مشهد المؤسسات العسكرية الشرعية، ومشهدٌ آخر التدريبات والعروض العسكرية الحزبية، ولغتان متصادمتان، لغة الحوار والإنفتاح، ولغة الإستقواء وهزّ الإصبع، وأكثريتان متواجهتان، أكثرية السلاح، وأكثرية اللبنانيين …
إنه قدرنا أن نحيا في وطنٍ واحد نسعى فيه نحن إلى قيام الدولة، دولة الحقّ والقانون، دولة العدل والمؤسسات، دولة الكلمة والإنسان، وفي الوقت ذاته تتنازعه وجهة نظر أخرى لن يُكتب لها الحياة. ففي آنٍ معاً نحن نمدّ يدنا كخشبة خلاص لشريكنا الآخر لإنقاذه من الهلاك وانتشاله من القعر وهو يشدّ بنا نحوه أي إلى التناحر والإنتحار.
فهل يعلم هذا الشريك أن ثقباً واحداً يكفي لإغراق السفينة بكاملها بينما تحتاج هذه السفينة إلى جهود جبارة للإبحار والوصول إلى شاطئ الأمان؟
نحن أصحاب الجهود وهم يمعنون في زيادة الثقوب، إنما ما يثلج القلوب هو أن الأيام تبرهن والتاريخ يكتب. فلا تقلقوا ولا تملّوا، فاصبروا ولو ملّ الصبر منكم.
فأنتم الذين صبرتم وقاومتم… حتى خروج الوصاية…
أنتم الذين صبرتم وقاومتم… حتى استعادة الحرية…
أنتم الذين صبرتم وقاومتم… لتحقيق العدالة…
واليوم نصبر معاً بالكلمة الحرّة والفكر الجريء والرأي المسؤول، نصبر ونقاوم حتى سقوط مفهوم الدويلة وقيام الدولة …
هذا قدرنا وقرارنا… وعليكم نعلّق الآمال… ومعكم نحققّ الأحلام… ونزيح الجبال بالإيمان… الإيمان المسيحي، الفعلي والحقيقي… فاعتناق المسيحية هو ممارسة تحتّم علينا أن نكون رُسل محبة وسلام… وفي الوقت عينه مقاومين للتبعية والاستسلام.