دور الجماعة المسيحية المشرقية هو الالتفاف حول النخب الحاكمة كما فعل أجدادنا مع معاوية

لعل أوّل ما يتبادر إلى الذهن، من خلال هذا العنوان، أنّني سأقدّم رؤية تاريخيّة للوجود المسيحيّ في هذا المشرق العربيّ. وقد يكون هذا الأمر بغاية الأهميّة. إلاّ أنّني لن أتناول الموضوع من وجهة نظر تاريخيّة، وإن عرّجت على التاريخ في بعض الأحيان، بل سأتناول جوهر الوجود المسيحيّ في هذا الشرق. سأطرح خمس إشكاليّات، وسأعرض لبعض التحدّيات التي تواجهنا جميعاً، مسلمين ومسيحيين. وستأتي الأشكاليات التي سأتناولها على شكل أسئلة: هل الوجود المسيحيّ، في هذا الشرق، مهم بالنسبة للمسلمين؟ ماذا يُطلب من مسلمي المشرق العربيّ حيال هذا الوجود؟ ماذا يُطلب فعليّاً من المسلمين في لبنان تحديداً؟ ماذا يُطلب من المسيحيين أنفسهم في هذا الشرق؟ كيف يستعيد المسيحيّون الريادة؟

المسألة على شيء من الصعوبة والتعقيد، إذ يتداخل فيها الأسطوري بالواقعي، والموروثات والتقاليد بالحقائق الفعليّة، والظرفيّ الآنيّ بالاستراتيجيّ. وهي صعبة بمقدار ما هي ملحّة على الفكر العربيّ عموماً واللبنانيّ خصوصاً. فبالرغم من تزايد وعي هذه المشكلة والمحاولات الخجولة في بعض المجالات داخل منطقة الشرق الأوسط وخارجها، وبالرغم من الجرأة الناشئة لدى بعض الأقليات، وانخراط بعض الدول الإسلامية الرئيسة في تجمعات اقتصادية وسياسية غربية، بالرغم من كلّ هذا نجد أن مشرقنا العربيّ لم يقم بأيّ جهد جدّي لوقف هذا النزيف الحضاريّ في المنطقة… وقريباً، سوف يصبح المسيحيون المشرقيون مهمشين كلياً فيها.

نحن اليوم نواجه صعوبات عدة، تقف حجر عثرة في سبيل التعايش الإسلاميّ المسيحيّ في هذا الشرق، ومن أهمّها:

1- الهجرة: فقد وصل اليأس من محاولة الإصلاح وتخطّي الصعوبات إلى نفوس من لم يسعوا يوماً إلى الهجرة. وها نحن اليوم نشهد هذه الرغبة تتأجج في صدور الكثيرين من النخبويّين من أبنائنا. وهي عند المسيحيّين أكثر بروزاً منها عند المسلمين.

2- الضغط الإسرائيليّ: فإسرائيل تنتظر أن تصاب الجبهة الشمالية بالاحباط، مما يدفعها إلى الاستسلام. وقد يكون هذا الأمر ممكناً، ولكنه اليوم سيستغرق وقتاً طويلاً جدّاً نظراً لصلابة عقيدة المواجهين من المقاومة، وبسبب اهتمام إيران وتركيا بهذه الجبهة… فالمتوقّع إذاً أن يستمرّ الصراع مع إسرائيل لفترة طويلة، وبالطبع سيستمرّ معه عدم الاستقرار الذي سيؤدّي حتماً إلى تأخير معالجة القضايا المصيريّة الأخرى ومنها الوجود المسيحيّ في الشرق.

3- ضغط اللوبي الإسرائيلي في الغرب: فمن أجل تجييش العالم الغربيّ لمصلحته، جعل اللوبي الإسرائيلي نفسه وصيّاً على مشكلة المسيحيين في الشرق، وراح يطرحها في العالم الغربيّ ويستخدمها كوسيلة أخرى لمحاربة العرب "وأبلسة" الإسلام. ومن الواضح أن هذا نقيض غاية المسيحيّين المشرقيّين: نحن نسعى إلى إنجاح التفاعل والتعايش بين جميع مكوّنات هذا الشرق، اقلّيّاته وأكثريّاته، لأنّنا جميعاً ابناء هذا الشرق ومتجذرون فيه.

وفي نهاية المطاف، الأمر يعود إلى الأطراف جميعها، وإن تكن مسؤوليّة الأكثريّة في المنطقة العربيّة أكبر من سواها. فهي التي عليها أن تفكّر في هذه المسألة. من هنا نبدأ بالسؤال الأوّل:

هل الوجود المسيحي في المنطقة مهم بالنسبة للمسلمين؟
على الفكر الأكثريّ في الشرق أن يعرف أنّ موضوع المساواة والمشاركة والمواطنة بين مكونّات المجتمع العربيّ المشرقي حقّ لهم جميعاً. فالمسيحيّون ليسوا مغتصبين لهذه الأرض. هم فيها قبل الإسلام نفسه. وهم معترَف بهم ومميّزون في القرآن الكريم نفسه.
ثمّ إنّ الإنجازات التي حقّقتها النخب المسيحيّة للمنطقة العربيّة ليست باليسيرة، بل هي مهمة ومتنوّعة: إنشاء الكيان اللبنانيّ، بما هو وما يمثّل بالنسبة للعرب. والمساهمة الفعالة في الإدارة والسياسة العامة لدول المنطقة. والمساهمة في حركات التحرر من الاستعمار في مصر وسوريا ولبنان، أو حتى قيادتها. والمساهمات الثقافية والفلسفية والأدبية، وحفظ اللغة العربية من الاندثار، وإنشاء المدارس والجامعات ذات المستوى العالمي، ونشر الصحافة. والتّماسّ الثقافيّ مع الغرب الذي جلب الكثير من تعاليم عصر التنوير وحقوق الإنسان الى الشرق. والتّماس التقنيّ مع الغرب الذي ساهم في فهم التكنولوجيا ونشرها في المنطقة. ونقل ثقافة الشرق وتاريخه إلى الغرب بواقعيّة وإيجابيّة؛ المدرسة المارونية في روما خرّجت الأساتذة الأوائل لعلوم الشرق في الجامعات الأوروبية من نهاية القرن السادس عشر.
على أنّ الموضوع لا يُطرح من هذه الزاوية فقط، بل هو يطرح كإشكاليّة أساسيّة على الفكر الإسلاميّ. المسألة هي مسألة تعايش الإسلام نفسه مع الأديان والثقافات الأخرى، حيث هو الأكثرية كما في الشرق، وحيث هو الأقليّة كما في الغرب. ولعلّ وضع الأقليّة الأسلاميّة في الغرب سيتأثر بموقف الأكثريّة في الشرق، وبالتأكيد سيؤثّر بها.

وهنا نطرح السؤال الثاني، إذاً: ماذا يُطلب من المسلمين عامة؟
هناك مجموعة أمور يستطيع المسلمون في هذا الشرق القيام بها، من أجل تفعيل دورهم في خلق جوّ من التفاعل الحضاريّ، بدل الاكتفاء بتلقّيه واتخاذ موقف منه:
أوّل هذه الأمور هو التعاطي مع هذه المنطقة على أنها ليست من دين واحد، ولا شعب واحد، ولا طائفة واحدة، ولا جنس واحد. لذا يجب علينا كلنا أن نقبل هذه التعددية ونعترف بها ونعمل على صيانتها والاغتناء منها.
وثانيها هو الاقتناع بأن الأحادية، تجر الديكتاتورية. ولا فرق بين ان تكون باسم القومية أو الدين أو الطائفة؛ وحدها التعددية والتنوع يجلبان المعارضة، فالديموقراطية فالحرية، فالإنماء.
وثالثها نشر الوجه الحقيقي للمسيحيين في القرآن، وتعليمه وتعميمه، كما يفعل دوماً الأستاذ محمد السماك، وكانت آخر مداخلاته في هذا المضمار المقالة الرائعة في جريدة "النهار"، الأحد 26 أيلول 2010 حول موضوع "العهد النبوي لنصارى نجران".

المسألة، باختصار، مرتبطة بموضوع أساسي: هل تقبل الجماعات التي تكوّن المنطقة العربيّة بالدولة المدنية، الحاملة للمساواة والمواطنة، وحرية الضمير بما فيها اعتناق أي دين أو مذهب؟…
حتى ذلك الوقت الذي تصبح فيه هذه المفاهيم حقيقة معيشة يمارسها المواطن العربي، لا بد من ضمانات مرحلية، تواكبها خريطة طريق نحو دولة مدنية تختلف بحسب معطيات كل بلد عربي وظروفه.
هذا على الصعيد العربيّ العام. أمّا على الصعيد اللبنانيّ الخاص فنطرح السؤال التالي: ما هو المطلوب فعلاً من المسلمين في لبنان تحديداً؟

لعل أهمّ ما يُطلَب من المسلمين في لبنان، ومع المطالبة بإلغاء الطائفيّة السياسيّة، هو القبول بأسس الدولة المدنيّة. والعمل على قيام دولة تستطيع حماية حقوق المواطنين. فكما أنّ قيام الدولة شرط لتسليم السلاح عند "حزب الله"، كذلك هي شرط يسبق إلغاء الطائفية السياسية، ذلك أنها وحدها الضامنة لحقوق المواطن الفرد. هذا إذا أردنا له أن يتخلى عن حماية طائفته.

وهناك مطلب آخر، لا يقلّ أهمّيّة عن الأول وهو تخطّي مسألة العدديّة الطائفيّة، تماماً كما يفعل تيار المستقبل في لبنان، فهو أكثر تعبيراً من غيره عن رغبته بالمساواة والمناصفة مع المسيحيين بغض النظر عن العدد… وهذا يعني أنّه متمسّك بجوهر الكيان اللبنانيّ، لا بقشور الحكم والتصارع على السلطة. ويقابل هذا الموقف الصريح صمت عند الكثيرين، كأن لديهم حياءً، أو انتقاصاً من إسلام القائد أو الحزب إذا تناولا هذا الموضوع. مع العلم أنّ هنالك كلاماً خاصاً، وفي بعض المجالس، من غير أن يخرج إلى العلانية ويشكّل حالة ثابتة.

والمحافظة على رئاسة الجمهورية اللبنانية، كرمز للوجود المسيحي في العالم العربي، مطلوبة أيضاً من المسلمين في لبنان… وأنا لا أطرح المسألة كمصلحة مسيحيّة، بل لأنها مفيدة لصورة العرب أجمعين ولتقبّلهم مفهوم التعددية.

نضيف إلى ذلك الاحترام المتبادل للمدى السياسي والكياني للطوائف: ديناً، وعقيدة وأرضاً. والتحرّر من الديموغرافيا في التمثيل السياسي، وترجمة المناصفة عملياً بقانون انتخاب يسمح للمسيحيين والمسلمين بانتقاء نوابهم فعلاً لا شكلاً. والمطلوب من المسلمين في لبنان أيضاً جعل دور المسيحيين البارز في لبنان، مطلباً إسلامياً عاماً، جدياً ورصيناً، ضمن مصلحة لبنان والعرب جميعاً. ولعلّنا في هذا الإطار نتفق مع وثيقة "حزب الله" الأخيرة، أي مراعاة الطوائف مرحلياً عبر ديموقراطية توافقية مركزية، تكملها لا مركزية إدارية موسعة.
أما المطلب الأخير، ومن أجل تأمين الاستقرار، فهو الابتعاد عن صراعات المحاور في المنطقة وعليها، مع الالتزام بقضية العرب في الصراع مع إسرائيل.

ونأتي أخيراً إلى الدور المسيحيّ، فنطرح السؤال الآتي: أين المسيحيّون من كلّ هذا؟ وما يجب عليهم أن يفعلوا؟
يستطيع المسيحيون أن يقوموا بأمور كثيرة، لا تعود فائدتها عليهم فقط، إنما تطول المجتمع، حيث هم، بكل أطيافه. وكذلك الأمر، فإنّه لا يجب أن يكون لهم مطالب مخصصة بهم، بل يجب أن تمتدّ مطالبهم لتشمل المجتمع بأسره، حيث يعيشون مع اخوانهم في الديانات والطوائف الأخرى.

وعلى المسيحيّين أيضاً أن يغيّروا من تفكيرهم في مسألة الهجرة. فصحيح أن الهجرة قديمة قدم التاريخ، وكانت تحصل بسبب الحروب في الماضي، وهي في عالمنا الحاليّ تحصل بسبب الوضع الاقتصادي والاجتماعي… إلاّ أنها، وفي كلّ الأزمنة، علامة واضحة ومعبّرة عن فشل مجتمع ونجاح آخر. وهي أيضاً قرار شخصي طوعي، إلاّ في حالات التهجير القسري… ولأنّها كذلك نحن نستطيع التخفيف من حدّتها إذا خلقنا جوّاً داخل العائلة لا يحضّ على هذه الهجرة.

وبقاء المواطن المسيحيّ المشرقيّ على أرضه هو واجب ديني عليه للشهادة للسيّد المسيح. كما أنه مصلحة هائلة له، ذلك أنّ قيمته الإنسانية والاقتصادية في هذه المنطقة أهم بكثير ممّا قد تكون عليه في أية منطقة أخرى.

وانطلاقاً من ضرورة الوجود المسيحيّ في هذا الشرق، للمسيحيين ولغيرهم على السواء، نطرح السؤال الأخير من هذ المجموعة من الأسئلة: كيف يستعيد المسيحيون الريادة التي تميّزوا بها في هذا الشرق؟

المسألة في غاية الصعوبة، إلاّ إذا تطورت الشعوب وقبلت بالمساواة السياسية وبالمواطنة، بغض النظر عن الدين. وقبلت واقتنعت بالتعددية. وأنشأت دولة قانون تحمي المساواة والمواطنة.

والمسألة في غاية الصعوبة، إلا إذا تعلّمنا من التاريخ لتفادي ما وقعنا به من أخطاء، ولبناء رؤية حقيقيّة وعمليّة. فلقد ارتكب بعض المسيحيين أخطاء كبيرة باعتماد ايديولوجيات الغالبية، بدلاً من اعتماد خيارات بناء الدولة الحديثة والقوية؛ وبالرغم من كل المشاكل، يبقى مسيحيو لبنان "الكيانيين" مثالاً ساطعاً وناجحاً في الحفاظ على وجودهم وحريتهم، مقارنة مع ما قام به غيرهم من المسيحيين المشرقيين الذين اعتمدوا استراتجيات مختلفة.

للمسيحيّين اللبنانيّين هدف أوحد: صناعة الدولة ورجالاتها وتركيز كل قوتهم التربوية عليها. إنهم "اللوبي الدائم للدولة" الحديثة، ولعلّها تكون دولة مدنية إذا أمكن.

والمسألة صعبة جدّاً إلاّ إذا تمّ الابتعاد عن المحاور والتركيز على النهضة والحداثة وقضايا المنطقة الكبيرة: الفساد، الفقر، حقوق الانسان، حقوق المرأة، التنمية الاقتصادية… والتفسير للعرب بأنه يستحيل عل المسيحيين حمل قضايا العرب في العالم، إذا كانت حقوقهم هم ناقصة، أو كانوا مضطهدين في بعض الأحيان.

وستبقى المسأله صعبة وبعيدة ما لم تلتزم النخب المسيحيّة بمساعدة الفقراء والمعوزين من الطوائف والأديان الأخرى.
وستبقى المسألة صعبة ما لم يظهر جميع الاطراف التزاماً جدّيّاً بتنفيذ الأهداف والمسارات المذكورة السابقة داخل الشرق الأوسط، ووضع هذا الهدف التطويريّ قيد التنفيذ في مواجهة جميع الرافضين والمعرقلين.

وتطوير الشرق الأوسط لم يعد مسألة مشرقية بحتة. فهي، في ظلّ العولمة الحاليّة، مسألة إقليميّة ودوليّة معاً. ولأنّها كذلك، على المسيحيّين أن يلعبوا دوراً فعالاً فيها.

إحلال السلام في الشرق الأوسط ضرورة حضارية وإنمائية له. ذلك أنّ عدم حل القضية الفلسطينية سوف يستمر بخلق التخلف والنقص والتقهقر التي تدفع الى الهجرة. والاستمرار في تفريغ القدس من أهلها مسألة إنسانيّة وحضارية على المسيحيّين أن يحملوا لواءها. وكذلك على المسيحيّين اللبنانيّين أن يعملوا على التأثير القوي على قادة الدول أصحاب القرار، فيكون لهم حضور فعلي في مراكز القرار، لإحلال السلام العادل والشامل، ونشر حقوق الإنسان في جميع دول المنطقة، وحمل قضية الوجود المسيحي في فلسطين. وهذا لا يتمّ إلاّ إذا وعى الغرب أهمية إيجاد السلام العادل والشامل لكي يبقى المسيحيون في المنطقة ولعدم قيام شرق أوسط أصولي حاد، وهذا لا يتم أيضاً إلا إذا أخذ الغرب في الإعتبار في علاقته بالأنظمة في الدول المشرقية تطبيقها حقوق الإنسان وحقوق المجموعات، شرط أن تبقى في إطار حقوق الانسان لا حقوق الأقليات أو حقوق المسيحيين.

ومن الضروريّ للغرب القبول بالمشاركة "بكرامة" مع العرب في صناعة مستقبل مشترك ووضع حوافز اقتصادية وسياسية لولوج هذا المستقبل، مع وقف السياسات والأساليب التي كانت معتمدة في فترة الاستعمار… والحض على قيام الاتحاد من أجل المتوسط والشراكة مع أوروبا والمساهمة فيهما. وللمسيحيين دور أساسي هنا.

بالإضافة إلى كل ما نفعله كمسيحيين أو مسلمين، من الضروريّ أن يواجه المسيحيّون والمسلمون، متّحدين، التحدّيات المحوريّة المشتركة:
1- بناء دول عصرية ومواجهة إسرائيل في الوقت ذاته… "صوت الإنماء وحقوق الإنسان بقوة صوت المعركة". من الخطأ التاريخي والإنساني أن نبني مجتمعاتنا فقط وحصراً على ضرورات الصراع مع إسرائيل وقمع كل قيم الجمهورية والإنسانية الأخرى. هذا ما فعلته فيتنام السبعينات وأنظروا أين أصبحت اليوم مقارنة مع الصين أو كوريا أو اليابان؟!
2- الاقتداء ببعض النماذج الناجحة، والتعلّم من تجارب الآخرين. وفي هذا الإطار يمكننا أن نستفيد من أمرين: الأول، الارتكاز على الدين للقيام بالاصلاح، وليس التصدي للإصلاح باسم الدين؛ ولنا في ذلك مثل الدولة النخبوية العسكرية في تركيا في السبعينات: ساروا بنمط إسلامي معتدل… لكي يقوموا بإصلاح اقتصادي جذري (كتاب الأستاذ ميشال نوفل الذي صدر هذه السنة). والثاني، التفاعل الواثق والوثيق مع الحوافز الخارجية التي تقدم مساعدات للقيام بإصلاحات عصرية وحديثة… كما فعلت تركيا ومصر. فقد نما الاقتصاد المصريّ أكثر من حوالى 7% في السنوات الخمس الأخيرة.
3- دعم الإتجاهات الإيجابية الرئيسة في التحرّك الإسلامي العام، من غير أن يعني ذلك التدخّل في شؤن المسلمين. وقد يأتي ذلك بطريقتين: من طريق توجيه الاهتمام الإعلامي والثقافي نحو "احترام الشخص الذات (Individu) واحترام الإنسان"، وليس نحو "الشعوبية" في الإسلام… (في مصر، بعض التجارب التي قد يعقد الأمل عليها). أو من طريق دعم التحرّك الإسلامي الوسطي الذي بدأت تظهر بوادره، وهذا هو الحل الأنسب، لأنه يسمح للاعتدال بأن يكوّن قوة سياسية فاعلة.
4- التأقلم مع الألفية الجديدة: حيث العولمة والتكنولوجيا جعلتا التأقلم مع المستجدّات العلميّة والحضارية أسهل وأسرع، وساعدتا الإنسان على تخطّى حواجز المسافات والمساحات… فأيّ مشكلة لإنسان يعمل خارج بلده طالما هو قادرٌ على متابعة الأخبار اليومية عن وطنه، ومحافظ على الارتباط به نفسياً واقتصادياً… المشكلة الوحيدة تكمن في عدم تأقلم نظام التصويت الانتخابي مع الواقع الجديد…

الخـلاصــة
لقد جّرب الشرق الكثير من الأفكار والعقائد. إلاّ أنّ واحدة منها لم تنتج بعد، في العالم العربيّ، دولة عصريّة فعّالة، استطاعت، وفي الحدّ الأدنى، ان تنمّي مجتمعاتها وتطوّر إنسانها… أو تحقّق أيّ انتصارات قوميّة… إنّ أيّ دولة عربيّة لم تدم إلا بحكم "نومنكلاتورا"، كما في مثال الأنظمة الاشتراكيّة/ القوميّة السالفة.
إن المسافة التطويرية المطلوبة من المجتمعات العربية والإسلامية كلها طويلة جداً. وإذا تركت الحركة التطويريّة على عاتق الحركات الديموقراطية الشعبية، فسوف تتحول، على الأرجح، خيارات شعبوية متعصبة ومتشنجة… إلاّ أنّنا نجد نموذجاً إسلاميّاً شبه وحيد مثيراً للاهتمام هو النموذج التركي. فاليد العسكرية، بتعاونها الوثيق مع الغرب، أخذت الشعب الى حيث يسهل اليوم تسليمه للقوى السياسية المنتخبة ودولة القانون… وهذا مسار بدأته النخبة العسكرية مع تورغوت أوزال وصولاً الى أردوغان… انه خيار مفروض في البداية كما مع أتاتورك، ثم تعاقد، ثم تسلّم وتسليم بين النخبة العسكرية وبعض رجال دولة يثبتون جدارتهم واحترامهم ونظافتهم وقيادتهم… بعد أن يضع الجميع والمجتمع أنفسهم تحت سلطة دولة القانون والدستور.

انطلاقاً من هنا، فإنّ دور الجماعة المسيحية المشرقية هو الالتفاف حول هذه النخب الحاكمة. وعلى الطرفين، الحاكم والذي يستعد للحكم، مساعدة هذه الجماعة على صناعة دولة تتطوّر باستمرار… ألم يفعل ذلك أجدادنا مع معاوية، وخلال كل عهد الإمارة والمتصرفية… وطيلة حكم السلطنة…

إن خيار الالتزام بالقطاع الخاص وحده والهروب من القطاع العام، أو خيار الهجرة، ليسا الحلّ الأنسب والمأمول. وحده قرار الالتزام بتحسين الدول التي نحن فيها ومنها، والعمل على تطويرها هو القرار الرؤيويّ. إن المطلوب حلّ ثقافي، وبناء دولة حقوق الإنسان، والسعي إلى الفعل العام التقني العملي وليس إلى الايديولوجيات والسياسات الكبيرة…

المصدر:
النهار

خبر عاجل