ليس سراً ان اثارة ما يسمى ملف "شهود الزور" بالضجيج القضائي السوري من جهة والضجيج الاعلامي الفئوي في لبنان يهدف الى إثارة قضية في أذهان الرأي توازي بأهميتها جرائم الاغتيال الارهابية وفي مقدمها جريمة اغتيال رفيق الحريري، وذلك في سياق الموازاة بينهما، فتصير المعادلة شهود الزور في مقابل الجرائم الارهابية.
وليس سراً ان "شهود الزور" الاربعة الذين سلطت الاضواء عليهم، كانوا، ما عدا واحداً، مدفوعين من جهات معروفة وانتهوا في عهدتها. وصار بعضهم نجوما تلفزيونيين. اما من سيقت بحقهم تهم امام القضاء السوري فشخصيات كانت لديهم قراءة سياسية لمرحلة ما قبل جريمة اغتيال الحريري وما بعدها، وهذه القراءة ثابتة راسخة لا يغيرها انفتاح من هنا او إستسلام من هناك. هناك حقائق في المواجهة السياسية التي ووجه بها الحريري خصوصا في المرحلة الاخيرة من حياته، لا يمحوها الزمن ولا توازن القوى المرحلي الراهن.
وليس سراً ان هدف التخلص من المحكمة هو المنطلق والمآل لكل الحراك السياسي المحلي المدعوم سورياً وايرانياً، لأن ما صدر من مواقف بشأن الاتهام السياسي (وهو اتهام منطقي) لا يلغي ان هناك مساراً تحقيقياً لم يتوقف حتى صار مصدر خوف لا لفريق، بل لفريقين معنيين بالموضوع، اي سوريا و"حزب الله". وإلا فما معنى ان تكون دمشق رأس حربة في محاربة المحكمة بجانب "حزب الله"؟ حتى الشعارات التي تساق اليوم عن وجود خطوط حمر في دمشق بالنسبة الى ما يسمى "مقاومة" غير مقنعة، إلا اذا وضعت القضية بأسرها في سياق واحد.
لقد اثير غبار كثيف حول قضية ثانوية اسمها "شهود الزور"، وما يجري اليوم حملة منهجية لافتعال قضايا على حساب القضية الكبرى التي تمثلها الجريمة الارهابية التي اودت بحياة رفيق الحريري ورفاقه، فضلا عن الجرائم الارهابية الاخرى التي أودت بقادة سياسيين شكّلوا رأس حربة في "ثورة الارز" الاستقلالية. ومع كل ما يثار، يبقى الاساس هو الجريمة وتبقى المحكمة الدولية الوسيلة الوحيدة لبلوغ الحقيقة وتحقيق العدالة. وفي المقابل ثمة من يريد القول ان القاتل لا يُحاسب. ولا يُلاحق. بل يقدّم له الولاء. هذه معادلة غير ممكنة. لقد كانت ممكنة في مراحل سابقة لكنها ما عادت كذلك. فلا ممارسة سياسة دفن الرؤوس في الرمال منعت تجدد الاغتيالات، ولا "تقبيل اليد والدعوة لها بالكسر" جنّبت لبنان الويلات وردعت الفاعلين، بل انها انتهت بأن صار لبنان كله سجناً كبيراً.
في بلد المئتي ألف شهيد تعاهد اللبنانيون في الطائف على طي صفحة الماضي والمسامحة واعتبار قتلى الاطراف كلهم شهداء الجميع، بصرف النظر عن الموقع الذي سقطوا فوقه. ولكن عام 2005 اي بعد خمس عشرة سنة على انتهاء الحرب، تغيّر الامر تماماً وصار خيار السكوت و"تقبيل اليد والدعوة لها بالكسر" من الماضي. وفي يقيننا ان ترهيب اللبنانيين لن يكون الحل، لأنه لن ينزع من رؤوسهم صورة راسخة، اسلحة الدنيا كلها وهذيان الطقوس الجماهيرية المتلفزة كلها أعجز عن محوه. و ما دام هناك ايمان بالعدالة فصواريخ الدنيا دونها وايمان الانسان بالحق.
ان الاساس هو الجرائم الارهابية السياسية، وسيبقى كذلك كيفما اتفق الامر.