لا شيء من القوانين السياسية الطبيعية يعمل في لبنان يا إخوان، ولأن المعضلة كامنة في ذلك السياق العام أساساً وابتداء فإن ما دون السياسة يوضع في تلك الخانة حكماً ومنطقاً.
وذلك الذي دون السياسة يشتمل أو يكاد على كل شيء، بدءاً من قصة حوادث السير وصولاً الى رعونة الاعتداء على أملاك الغير والدولة، ثم التجرؤ الاستثنائي على التصدي لمن يحاول وضع القانون موضع التطبيق أو محاولة إبقاء شيء من سلطة ذلك القانون على قيد الحياة.
يبدأ مشوار الهريان من الأساسات، أكانت تلك في القمة أم في القاعدة.. وذلك المشوار أخذ شحنة المدَد الأولى من قيام سلطة موازية للسلطة الشرعية تحت ستار السلاح المقاوم، ثم تحت ستار الأمن المقاوم ثم القضاء المقاوم وصولاً الى الشتّام المقاوم، وتدرجاً نزولاً (أو صعوداً) الى السائق الأرعن والمعتدي الشبّيح والسارق الوقح والمزوّر الأكثر وقاحة.. والحال أن تلك ازدواجية جعلت الناس تفترض أن التعميم حق من حقوقها والاستثناء لا يركب إلا على الضعفاء.
وذاك التعميم تبقى مفرداته أسيرة المنطق ليس إلا: إذا كانت السلطة الشرعية المفترضة غير قادرة على اتخاذ أي قرار سيادي من دون أن تهتز الأرض من تحتها، وإذا كانت القوى الأمنية الشرعية غير قادرة على الخروج من منطق التراضي لممارسة أي دور ميداني لها، وإذا كانت المؤسسات القضائية على ذلك القدر من الاستهداف من دون أي اعتبار لأي شيء، وإذا كانت المؤسسات الرديفة، والإعلامية منها تحديداً، وصلت الى ذلك الدرك من الإسفاف وامتهان التزوير والتطاول على الكرامات وتلبّس أدوار الطغاة والجلاوزة وفنون عمل المافيات، وإذا كانت مقومات الدستور نفسه عرضة الى ذلك الحد لكل تفسير مطّاط تبعاً للهوى السياسي لصاحب "المُطّيطة".. وإذا كانت الاستباحة فالتة، الى ذلك الحد لكل شأن شرعي مؤسساتي دولتي، فلماذا لا يسري مفعول ذلك الهيجان الغاباتي على الأفراد والعامة؟ ولماذا الاستثناء؟
والحال أن في ذلك استكمالاً منطقياً لكل مقوّمات الرعب. وهو معطى غير مسبوق في حدّته حتى في عزّ الحرب الأهلية ومتفرعاتها حيث ولا مرّة، وعلى مدى العقود الأربعة المنصرمة، كان لذلك الهريان كل هذا التكريم والتفخيم، ولمنطق نسف الشرعية ومقوماتها كل تلك التبريرات الخلاصية الآتية من جذر سماوي، ولمنطق الازدواجية النافية للدولة والقضاء والقانون والأخلاق كل تلك التبريرات الآتية من نصّ ديني يفترض أصحابه أن الطريق الى الله تمر حُكماً بحواجزهم المسلحة ليس إلا وبسياساتهم المسنودة دائماً وأبداً الى ذلك السلاح.
من ذلك الأساس يتفرّع كل شأن تفصيلي حياتي آخر. ويصبح من "الطبيعي" أن نشهد يومياً هتكاً مفتوحاً للحياة وتعميماً مقصوداً لثقافة مضادة لا تتورع عن تبرير أي شيء لخدمة مشروعها.. أياً كان عنوانه.