حديث وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل خلال القمة العربية الاستثنائية في ليبيا حول مسألة رابطة دول الجوار التي طرحها الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى، عن أن الوضع العربي الراهن يعاني من وجود فراغ، وهو الأمر الذي سمح بتعاظم دور دول الجوار على حساب الدول العربية، لا بالتوازي معها، ومن ثم إعلانه أن موقف المملكة يؤيد الفكرة العامة للمبادرة التي تهدف إلى إيجاد آلية مبتكرة للتعامل مع تآكل الدور الإقليمي العربي، ولكنه يختلف معها في الكيفية التي يجب التوجه بها. هذا الحديث يفتح الباب – أو يجب أن يفعل – لمناقشة أسباب هذا الفراغ القائم عفي الساحة العربية، وكيفية التعامل معه، فأهمية طرح موضوع سياسة الجوار نابع – في الأساس – من مسألة الفراغ العربي الإقلميي، ومن ثم فالعودة إلى جذر المشكلة يعتبر خطوة أولى في سبيل الحل.
كيف تُقرأ زيارة الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد إلى لبنان، على ضوء الفراغ الاستراتيجي العربي؟
الواقع أن الزيارة التي قيل وكتب عنها الكثير لا يمكن قراءتها من الزاوية المحلية فقط، بل هي شكّلت محطة لتأمل المشهد الإقليمي والدولي في لحظته المتوترة، من دون أن يلغي ذلك دلالاتها ورسائلها المحلية.
في التأسيس، لا يمكن تجاوز واقع أن الإقليم كله ملئ بالاضطرابات السياسية والأمنية، من اليمن مروراً بالعراق وصولاً إلى لبنان. لكن المنطقة مقبلة أيضاً على استحقاقات داهمة على ضوء مفاوضات التسوية (بصرف النظر عن نتائجها سلباً أم ايجاباً) المترنحة راهناً بين سعي إسرائيلي حثيث لإنهائها وطموح إدارة الرئيس باراك أوباما بتسويق حل الدولتين وقبل ذلك وبعده غياب أوراق الضغط العربية لفرض السلام العادل، وعلى ضوء الانسحاب الأميركي من العراق، وأيضاً الحديث المتزايد عن ضرورة الانسحاب الأجنبي من أفغانستان، والذي يبدو أن القاسم المشترك الأبرز في التوترات القائمة أنها مدعومة إما من الجانب الأميركي أو من الجانب الإيراني.
وعلى ضوء هذه الوقائع، يمكن فهم الموقف الإيراني، إذ إن غياب أوراق الضغط العربية في عملية السلام، ومن ثم الانسحاب الأميركي من المنطقة، كل ذلك يشجع على الهجمة باتجاه ملء "الفراغ الاستراتيجي" الذي أشار إليه الفيصل- لتوسيع الحضور وكسب النفوذ أو تثبيته أو تمدده.
لكن ذلك لا يلغي أن إيران تعيش جملة مآزق داخلية وأخرى مع المجتمع الدولي على خلفية العقوبات المفروضة عليها بخصوص ملفها النووي، وهي تريد أن تباشر التفاوض مع الولايات المتحدة الأميركية ومجموعة الخمسة زائد واحد، من موقع القوة، وهي تقول للغرب إننا نملك الحضور والتأثير والفاعلية في كل من العراق وسوريا ولبنان واليمن، وكل ذلك ينبغي أن تلحظه الأطراف المفاوضة، بل وعليها أن تراعيه عند بلورة أي اتفاق محتمل.
ما يؤكد هذا الاتجاه مؤشران: الأول: المشاركة الإيرانية للمرة الاولى في مشاورات مجموعة الاتصال حول أفغانستان، التي استضافتها روما مطلع الأسبوع بمشاركة ممثلين عن الولايات المتحدة و46 بلداً آخرين، فيما لفت تصريح الموفد الأميركي ريتشارد هولبروك الذي اقر بدور طهران "في التسوية السلمية للوضع في افغانستان"، معتبراً أن إيران "تشكل جزءا من حل المشكلات"، وان لطهران والدول الغربية "مصالح مشتركة" في المنطقة.
والمؤشر الثاني: أن التسوية شبه المنجزة لأزمة تشكيل الحكومة في العراق، تشير إلى رجحان التأثير الإيراني فيها من خلال إعادة تسلم رئيس الحكومة المنتهية ولايته نوري المالكي لزمام السلطة في العراق.
هل يعني كلذلك أن الاشتباك الإيراني الغربي إلى زوال؟ لا جواب، لكن المتابعين يرون أن التوافقات والتفاهمات الإيرانية الغربية لا تؤثر على الملف الرئيس وهو النووي، لكن التهويل واستعراض القوة يفيد في إنجاح التفاوض كلياً أو جزئياً، وهم في كل الأحوال مستفيدون من إبقاء التوتر في المنطقة لاستمرار ارتهانها، أو من خلال اتخاذ مناطق النفوذ في الإقليم ساحات للصراع بالواسطة مع المجتمع الدولي.
وعليه عندما يعلن الرئيس نجاد من الضاحية الجنوبية عن "جبهة مقاومة الشعوب" الممتدة من ايران الى غزة مروراً بسوريا والعراق وتركيا، انما يعلن ان لبنان جزء من منظومة اقليمية تقودها بلاده، وعندما يقول من جنوب لبنان إن أهل الجنوب (في لبنان) "سيغيرون مستقبل المنطقة"، انما يكلف جزءاً من اللبنانيين دوراً اقليمياً يتعدى مجرد استرجاع ارض لبنانية محتلة او حتى حماية أرض الجنوب من اعتداء اسرائيلي.
فالرئيس الإيراني، والحال هذه، ما تعامل مع لبنان حتى باعتباره تابعاً أو قاعدة متقدمة على ساحل المتوسط، بل فعل ما هو أكثر من ذلك، وعلى عدة مستويات، وبعد كل ذلك اعتبر أن الحرب واقعة لا محالة، وهي ستقضي على اسرائيل!
وبالعودة إلى كلام الأمير الفيصل عن الفراغ الاستراتيجي، فأهمية هذا الموقف أن السعودية ترى أن الخطوة الأولى يجب أن تكون عن طريق إعادة ترميم البيت العربي، مرحلياً على سبل النهوض والارتقاء بالعمل العربي ليكون بالفعل والممارسة عملاً مشتركاً وفاعلاً ومؤثراً على الصعيدين العربي والدولي، ومن ثم الانطلاق نحو سياسة جوار فاعلة ترتكز على الدور العربي الجيو- استراتيجي الفاعل والمؤثر، لا أن يرتكز التأثير العربي على صيغة بعينها من صيغ علاقة العرب بجوارهم، وبالتالي يتعين على الدول العربية ملء الفراغ بأنفسهم قبل أن يتم التوجه نحو سياسة جوار إقليمي، وملء الفراغ لا يكون تصريحات ومواقف لا تقترن بالفعل السياسي والمؤسسي، أو كما قال الفيصل "لا يحتاج إلى تعديلات جوهرية في الميثاق بقدر ما يحتاج إلى الالتزام الجاد بما سبق الإجماع عليه من إصلاحات ومقررات"، ولعل هذا الأمر هو ما أشّرت إليه الخطوات الأخيرة للمملكة مع سوريا في ما يخص الشأن اللبناني.