إذا أراد اللبنانيون أن يصدقوا أنفسهم، وأن يصدقوا لبنان ومستقبله ومصيره المعلق اليوم والذي يراوح مكانه منذ العام 2008، بل منذ العام 2004، والذي دفعوا خلاله أثماناً باهظة جداً من أمنه وأمانه واستقرار شعبه، عليهم أن يعيدوا قراءة الأحداث بواقعية شديدة، وأن يستجمعوا كل خيوط ذاكرتهم منذ تظهرت صورة الدور العراقي في حرب العام 1989 وحتى اليوم.
وقراءة الأحداث ليست مستعصية منذ وجد صدام حسين مطية له في لبنان فدججها بقذائف الـ240 ملم لتجهز على المنطقتين الشرقية والغربية، وتقدمهما أنقاضاً وعلى طبق من ذهب لتعطيل تنفيذ اتفاق الطائف على مدى خمسة عشر عاماً، ومن جديد كان لبنان يدفع ثمناً مطلوباً في العراق بعد اجتياح صدام حسين للكويت، كان لبنان وشعبه ثمن "الدخول العربي مجتمعاً" في جيوش عاصفة الصحراء!!
وعلى اللبنانيين ليصدقوا مع أنفسهم، أن يرموا وراء ظهورهم "نظرية التآمر" عليهم، وخوض الحروب على أرضهم، فاللبنانيون تكفلوا بهذه المهمة نيابة عن الآخرين، فكل طائفة أو بعض الطوائف تربط مصيرها بمحور لتستقوي به على الآخرين في الوطن وتتحكم في رقابهم، منذ وجد لبنان وهو تتنازع أهله المحاور، وكل طائفة تدين بوجودها وقوتها إلى دول خارجية…
هذا كلام قد يحبط كثيرين – وأنا منهم – خصوصاً وأننا جيل عاش ورأى وذاق طعم توالي التسلط علينا حيناً باسم الخلافة العثمانية، وآخر باسم القومية العربية، وأحياناً باسم العروبة الناصرية، وأحياناً باسم القضية الفلسطينية، وحيناً النزعة الأميركية – الإسرائيلية لتخليص لبنان من براثن منظمة التحرير، وحيناً باسم العروبة البعثية لتخليص لبنان من عودة العرفاتية، والحروب الميليشياوية، فعلينا ألاّ ننخدع كثيراً ونصدق أننا حققنا انتصاراً وأننا حققنا السيادة ووصلنا إلى الحرية!!
علينا أن نتأمل جيداً في الوضع اللبناني الذي بدأ يراوح مكانه ويتعطل منذ سقوط العراق بيد الاحتلال الأميركي، مجدداً دفعنا ثمناً عن العراق وفي العام 2005 دفعنا دماءً غالية بالنيابة عن التصارع الإقليمي الدامي على تقاسم النفوذ وتوزيع "الجبنة" العراقية على عرب الاعتدال وعرب الممانعة والفرس والترك والأميركان!!
ومنذ العام 2007 توقف الزمن اللبناني، وهو وإن بدا سائراً، فهو كالسائرين نياماً ليس أكثر، سياسيو الداخل صناديق بريد أو أدوات تلقي أوامر من الخارج تحدد مسار ومصير اللبنانيين، الآن يبدو المشهد اللبناني شديد الوضوح "لبنان المحتضر" – بيد أبنائه وولاءاتهم الخارجية، وبيد موزعي قسمة الغنيمة العراقية – موضوع على لوح ثلجي على رغم دخان الحرائق بفعل الحرارة التشرينية، وهذا اللوح الثلجي بإمكانه أن يكون ثلجاً لحفظ "الجثة" اللبنانية المتآكلة حتى لا تتحلل بفعل الانتظار، وبإمكانه أن يكون ثلج التخدير المساعد على تجاوز أوجاع الانتظار، وكل ما نشاهده على المسرح اللبناني ليس أكثر من خيالات لدمى تتحرك هناك في العراق!!
لو قرأ جورج بوش تاريخ العراق لما دفعنا هذه الأثمان المتتالية في لبنان، ولو كان العرب يقرأون، لأدركوا منذ خطبة الإمام علي – كرم الله وجهه – في أهل الكوفة، ووصية الإمام الحسن إلى أخيه الإمام الحسين – على جدهما وعليهما الصلاة والسلام – ولكانوا قرأوا "خطبة الحجاج بن يوسف الثقفي" ومقولته الشهيرة: "يا أهل العراق ومعدن الشقاق والنفاق"، أو خطبته في البصرة "يا أهل العراق، والكفرات بعد الفجرات، والغدرات بعد الخترات، والزوات بعد النزوات، إن بعثتكم إلى ثغوركم غللتم وخنتم، وإن أمنتم أرجفتم، وإن خفتم نافقتم، لا تذكرون حسنة ولا تشكرون نعمة، هل استخفكم ناكث أو استغواكم غاو أو استنصركم ظالم أو استعضدكم خالع إلا تبعتموه وآويتموه ونصرتموه وزكيتموه". أو خطبته في الكوفة: "يا أهل الكوفة إن الفتنة تلقح بالنجوى وتنتج بالشكوى وتحصد بالسيف، أما والله إن أبغضتموني لا تضروني وأن أحببتموني لا تنفعوني، وما أنا بالمستوحش لعدواتكم ولا المستريح إلى مودتكم، زعمتم أني ساحر وقد قال الله تعالى ولا يفلح الساحر وقد أفلحت، وزعمتم أني أعلم الاسم الأكبر فلم تقاتلون من يعلم ما لا تعلمون"، لو كانوا يقرأون لأدركوا أن العراق لا يحكم إلا بحجاج أو هولاكو أو صدام، ولأدرك الأميركيون أن "الأعراب" قبائل تناحرت سنون طويلة ما بين "داحس وغبراء" وما بين حرب "البسوس"!!
ولو صدق اللبنانيون أنفسهم، وقرأوا المشهد المتجمد في انتظار نوري المالكي أو أياد علاوي أو عادل عبد المهدي، لو راقبوا التشبث الإيراني بالعراق لأدركوا أن الثأر من معركة القادسية مازال مطلب "رستم"، وأن الفرس الذين مهّدوا لدولة العباسيين، واصلوا على مدى قرون محاولات تدميرها، ولأدرك اللبنانيون أن ما ينفع وطنهم هو وحدتهم، وأنهم يخافون إن كانوا منقسمين مشرذمين، وأنهم يخيفون إن بدت عليهم علامات وحدة تجمع المسلمين والمسيحيين…
ولكن، هيهات!! مادام في المسيحيين مَن يشرذمهم ويمزّق صفوفهم مثل ميشال عون، وما دام في المسلمين من يرهن نفسه مرة للناصرية وأخرى للثورة الفلسطينية أو للبعثية، أو للثورة الإيرانية… والعراق سائر إلى هاوية مذهبية وكل الخوف أن يلقوا بلبنان خلفه إن لم تنته مفاوضاتهم العربية – الإيرانية – الأميركية إلى تسوية سيدفع لبنان وشعبه وشهداؤه ثمنها مجدداً!!