التهدئة النسبية فرضها التوقيت وليس أي تطوّر نوعي
ضغوط مرتقبة في المجلس والحكومة تمارسها غالبية جديدة
تكشف مصادر سياسية رفيعة المستوى ان اي تطور ايجابي لم يحصل بعد على رغم التحركات النشطة المتمثلة في اللقاءات الخارجية والاتصالات الداخلية وعودة شيء من الحرارة الى الاتصالات بين رئيس الوزراء سعد الحريري و"حزب الله" ولو من دون اي نتيجة، نظرا الى بقاء كل فريق على موقفه . فالتهدئة النسبية على صعيد الخطاب السياسي ليست الا ترجمة لعاملين: الاول يتصل بعدم رغبة الحزب في تصعيد المواقف السياسية اثر زيارة الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد للبنان، لئلا يوحي ان الزيارة ساهمت في تسعير الخلافات الداخلية وقدمت الدعم الى "حزب الله" فقط في معركته ضد المحكمة الدولية. لكن الرئيس الايراني يرغب في ان يحافظ على الانطباع لدى الخارج وحتى في الداخل الايراني ان لبنان كله في الخط الايراني وان ايران هي جزء من الحل وليست جزءا من المشكلة في لبنان، شأنها شأن تركيا مثلاً. اما العامل الآخر، فيتصل باللقاء السعودي السوري الذي انعقد نهاية الاسبوع الماضي في 17 تشرين الاول الجاري في الرياض، بحيث لا يرغب السوريون في الايحاء ان الامور لا تسير على نحو جيد بينهما وتاليا فان الزيارة التي قام بها رئيس مجلس النواب نبيه بري لدمشق لم تكن تسمح ايضا من حيث توقيتها بعد القمة السعودية السورية في اعطاء الانطباع ان الامور هي الى تصعيد في مجلس الوزراء. وتاليا فان الظاهر من الامور ان نسبة التوتر تراجعت لكن الواقع انها لا تزال على حالها. فلا الحريري ينوي التراجع عن المحكمة ولا "حزب الله" سيقبل بأي اتهام لأي من عناصره بالمسؤولية عن اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وفق ما ابلغ الحزب الى ديبلوماسيين التقوه اخيرا. كما انه لم يقل لا بتصعيد الامور وصولا الى العنف في الداخل ولا بالامتناع عن ذلك، تاركا كل الاحتمالات مفتوحة، وتاليا فان الطريق مسدودة حتى الان ولا افق حلول لها، بحيث ان مسألة التهدئة السارية حالياً ليست مبنية على تطور نوعي بل على التوقيت فقط.
وهذا يعني توقع ان يشهد الوضع تصعيدا سياسيا في الايام المقبلة بعد انتهاء مفعول زيارة نجاد والقمة السعودية السورية، تماما كما حصل على اثر القمة الثلاثية التي عقدت في بيروت اواخر تموز المنصرم. وتتوقع المصادر السياسية المعنية تحركاً على مستويين، احدهما في مجلس النواب وآخر في الحكومة، مع اشارة لافتة من هذه المصادر الى "الاستهداف" الاميركي لرئيس الجمهورية ميشال سليمان في الاتصالات الاخيرة التي اجروها بالنسبة الى الوضع في لبنان. ففي اطار التأكيد الاميركي على استمرار المحكمة الخاصة بلبنان، زار مساعد وزيرة الخارجية الاميركية جيفري فلتمان بيروت والتقى الرئيس سليمان الذي ما لبث ان تلقى اتصالا بالمعنى نفسه من وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون التي ابرزت نقطتين في اتصالها: الاولى تتعلق بالتمسك الاميركي باستقرار لبنان والدعم الثابت لتطوير المؤسسات اللبنانية، والاخرى تتعلق بـ"عدم التسامح" مع المحاولات الهادفة الى اضعاف المحكمة. وتتساءل هذه المصادر ما اذا كان التركيز الاميركي على رئيس الجمهورية يتصل بمخاوف من ضغوط يتعرض لها من اجل اتخاذ موقف الى جانب قوى 8 اذار في موضوع المحكمة، اذ ان المهتمين الدوليين بالوضع اللبناني تلمّسوا احتمالات للتصعيد ليس فقط عبر الشارع، على رغم تراجع احتمالاته، خشية ان يُؤتي نتائج عكسية على معنيين كثر، بل عبر المؤسسات اللبنانية، في مجلس النواب كما في الحكومة، اذ تفيد معلومات أن قراراً اتخذ لدى قوى 8 اذار بالسعي الى ضمان اغلبية في مجلس النواب من خلال ضم كتلة النائب وليد جنبلاط وربما بعض النواب الذين عادوا الى سابق عهدهم في المحاور السياسية المعروفة، ومطالبة الحكومة باسترداد الاتفاق الموقع مع الامم المتحدة حول المحكمة من اجل اعادة النظر في بعض بنود انشائها، باعتبار ان لدى هذه القوى تحفظات قانونية عن انشاء المحكمة والاتفاق الموقع لهذه الغاية. وهذه الخطوة يعتقد انها قد تنجح بعد تجربة تجميد تمويل المحكمة في حال تكونت اكثرية مماثلة في السلطة التنفيذية من خلال كتلة جنبلاط وكتلة رئيس الجمهورية يمكن ان تضغط في هذا الاتجاه، اي في اتجاه الطلب من الامم المتحدة اعادة الاتفاق لمراجعته، او لتعديل بعض النقاط غير القانونية، او الطلب الى السلطة التنفيذية ان تطلب من الامم المتحدة تجميد مسار المحكمة الى حين بت مسألة ما يسمى بملف "الشهود الزور" بعد بته في مجلس الوزراء. لذلك يدرج هؤلاء الحرص الاميركي على ان يبقى رئيس الجمهورية ممسكاً بالتوازنات في البلد من جهة وعدم التفريط بالكل المتكامل التي تشكله القرارات الدولية من اجل لبنان.
وفي رأي هذه المصادر ان النقاش السياسي سيحتدم حكماً، لان المسألة في مجلس النواب قد لا تكون حسابية بل رمزية، من خلال مجموع قوى تعطي انطباعا ان الكفة تميل الى مصلحة افرقاء ضد آخرين، خصوصا ان المجلس هو المؤسسة التي تبرم المعاهدات.