من الآن حتى إشعار آخر، ستبقى أيامنا رهينة الرسائل الآتية الينا بالواسطة، محددة لنا ما يجب وما لا يجب، وما يُقبل وما لا يُقبل، وما هو المطلوب وما هو المحجوب، وما هو المُستحب وما هو المكروه.. وكل ذلك يتم تحت خيمة الحرص الزائد على حسن سير الأمور في بلادنا باتجاه مقارعة أعداء الأمّة المهدِّدين والمتوعّدين بدكّ بنيانها الشامخ وبرجها العالي وقوسها الذي لا ينكسر!
ولا بأس بكل ذلك البريد وبوتيرته السريعة، وبوضوحه وصفاء بنيانه ودقّة المضامين التي يحملها! ولا بأس بعد هذا بقليل أو كثير ان عاد البعض ليفترض انه بهذه الطريقة انما يبني ويؤسس للآتي بصفاء نيّات ونقاء سياسات رغم ان السابق منها لا يزال حتى اللحظة يشرشر آثاره الكارثية في كل اتجاه!
لا بأس بكل ذلك طالما اننا حتى ذلك الإشعار الآخر، ندقّ على أبواب المنطق ولا أحد يفتحها. ونداري مصطلحات الحقائق ولا أحد يقرأها. ونغنّج التورية ولا أحد يريد أن يفهمها. ونقدم بيان الإقامة في الود والأنس ومصاطب المصالح "الحقيقية" المشتركة لكن لا أحد يقبل به كما لا أحد يريد أن تستقر تلك الإقامة وتدوم (؟) ونقدم مطالع الأحكام السوية لكن لا أحد يريد الأخذ بها.. ثم نقدم فوق كل ذلك وتحته، وبعده، وقبله، وعلى يمينه ويساره، وشرقه وغربه جدول أعمال يطوي الماضي ويحاكي الحاضر ويؤسس للمستقبل بلياقة ولباقة، وباستفادة لا شائبة فيها من مساحة المشتركات والموحّدات والرابطات والمقرّبات العزيزات القديرات، لكن أحداً لا يريد النظر فيها إلا على طريقته. والباقي خيال لا يُعتد به وبسعته.
كأنها لعبة مثلثة الأضلاع. شرطها الأول أن يبقى أحد أضلعها "مأخوذاً" بضلع واحد وليس بالاثنين معاً.. كلما اقترب من أحدهما اهتز الآخر، ودفع هو بعد ذلك ثمن الحسابات الخاصة، وقلّة الثقة واهتزاز اليقين بين "حليفين مفترضين"..والثمن يكون عادة بتحويله هو الى هدف بديل عن الأصيل تُرمى باتجاهه رميات التشكيك والتهويل وما هو أبعد من ذلك بكثير.
لعبة تشبه كل شيء إلا الاتعاظ بما سلف من سياسات وكوارث وبلايا وما أوصلت إليه مجتمعة متضامنة متآزرة متآلفة من محطات مزلزلة ومدمّرة. ثم كأنها في مكان ما تعود لتبيّن ان اللاعبين فيها مأخوذون بهيجان اللحظة ليس إلا من دون النظر الى ما بعدها، ومن دون التراخي في الراهن من أجل الكسب في الآتي، ومن دون التنازل في التفصيل من أجل الربح في الإجمال..
سياسة تحتاج الى نظّارات طبية كي يبان أمامها المشهد بوضوح لا لبس فيه، هذا إذا شاء المشاهد أن يضع تلك النظّارات فوق عينيه ويكفّ عن إتهام الآخرين بقلّة الوضوح وغباش النظر!!