#adsense

المنطقة و”الهوس” العقائدي والحرب!!

حجم الخط

ما تحدّث عنه رئيس الحكومة سعد الحريري من قبرص، موضحاً أن "المنطقة تقف اليوم أمام مفترق حاسم، فهي إما تتّجه نحو السلام أو تواجه حرباً إقليمية" هو توصيف شديد الدقة، ويبدو أن حظوظ الحرب أعلى نسبة بكثير من حظوظ السلام، خصوصاً أن الطرفين الإقليميين في المنطقة اللذين يُديران لعبة الحرب، إيران وإسرائيل، كلتاهما بحاجة ماسة إلى إشعال المنطقة في هذه المرحلة.

إيران – اللاعب الجديد في المنطقة، مأزومة داخلياً وخارجياً وقد اختارت إيران أن تخوض حروبها على أرض الآخرين، في العراق وغزة، ولبنان، واليمن، ومَن يدّعي أن ليس باستطاعتها إشعال فتائل التفجير في بلاد الخليج العربي المختلفة يكون "نعامة" تدفن رأسها في رمال المنطقة المتحركة والموشكة على الاشتعال!! أما اللاعب الوحشي القديم إسرائيل، فالحرب باتت النافذة الوحيدة المتاحة أمامها بعدما بات معلوماً دولياً أنها دولة غير قابلة للحوار، وما بين اللاعبين "المنطقة العربية" التي تعيش حالة احتضار منذ زمن طويل، حتى يكاد متابع أحوالها يظن أنها أعجز من أن تدفع عن نفسها…

إسرائيل تريد الحرب لتتخلص نهائياً من القضية الفلسطينية، أو لتخلق خلطاً ما في أوراق اللعبة، فالحرب تقود دائماً إلى تغير قواعد في اللعبة، على الأقل ما أنتجته حرب تموز العام 2006، فالقرار 1701 أراده حزب الله بكل قوته وكان جل همه الوصول إلى وقف لإطلاق النار، بصرف النظر عن كل كلام فضفاض يقال عن "النصر"، فهزيمة العام 1967 الشاملة أسماها إعلام "أحمد سعيد" نكسة، ولملم عبد الناصر نفسه ذيولها بجملة، سار على نهجه فيها السيد حسن نصر الله… خرج عبد الناصر ليقول للشعب المصري: "بصرف النظر عن المعطيات التي بنيت عليها قراري في الأزمة الأخيرة (قرار إغلاق خليج العقبة)»، والسيد حسن قال للبنانيين "لو كنتُ أعلم"…

عملياً؛ حسم الرئيس الإيراني أحمدي نجاد في زيارته إلى لبنان خيارات السلم والحرب، وأعلن من لبنان – فيما التزمت الدولة اللبنانية الصمت المعتاد – أن القضية الفلسطينية مفتاحها وحلها في يده، وأعلن الحل من لبنان ومباشرة على الهواء من ملعب الراية مساء 14 تشرين الأول الماضي، فسأل وأجاب في وقت واحد: "ما هو السبيل لحل القضية الفلسطينية؟ السبيل الوحيد لحل القضية الفلسطينية ولإرساء سلام راسخ في المنطقة هو الاعتراف بحق السيادة للشعب الفلسطيني وعودة اللاجئين من الفلسطينيين إلى أرضهم ورحيل كل المحتلين إلى أوطانهم الأصلية. لمصلحة قادة الكيان الصهيوني أن يعودوا إلى منازلهم وأن يعيدوا فلسطين إلى أصحابها الأصليين، وألا أعاصير غضب الشعب الفلسطيني وأعاصير غضب بقية الشعوب الحرة ستجعلهم أثرا بعد عين"، وهذا الكلام عاد وتكرر في جنوب لبنان من مدينة بنت جبيل.

وللمفارقة فقد انشغل المحللون بجملة واحدة من حديث نجاد أعلن فيها: "لقد تشكلت جبهة مقاومة الشعوب في فلسطين ولبنان وسورية وتركيا والعراق وإيران وكل هذه المنطقة"، مع أن هذا الإعلان كلام "فوفاش"، فلا تركيا منقادة كنعجة خلف إيران وهي دولة تُدرك حدود اللعب إقليمياً، ولا العراق الغارق في مآزقه بسبب إيران والذي كانت إسرائيل المستفيد الأكبر من تفتيته قادر على المواجهة، ولا سورية التي كانت تخوض مفاوضات غير مباشرة وغير معلنة مع إسرائيل خلال أيام حرب تموز ترغب في إيقاد جبهة باردة منذ أربعين عاماً، أما غزة فيكفيها أن أهلها لم يستطيعوا حتى اليوم على بناء ما هدمته مجازر إسرائيل المتوحشة.

وآخر دول هذه الجبهة "الصورية" إيران، فيكفينا الإشارة إلى "منع" مرشدها علي الخامنئي المتحمّسين من الشباب الإيرانيين لما صدّقوه من شعارات فلسطين والقدس التي ترفعها إيران يومياً، فليس دور الإيرانيين أن يموتوا على هذه الجبهة، إذن لم يبقَ من هذه الجبهة في الميدان إلاّ "حديدان" لبنان، الذي أعلن منه أحمدي نجاد ومن ملعب الراية ولادة النظام العالمي الإيراني الآتي: "أعلن بصوت عال أن النظام العالمي الأتي يجب أن يكون شاملاً إنسانياً وعادلاً، حتى يكون السلام والأمن والأمان في ظلّه راسخاً على أساس من العشق والعدالة في شتى أنحاء العالم، هذا وعد إلهي وهذا الوعد سيتحقق".

لم يتنبه أحدٌ من سياسيي لبنان إلى خطورة هذا "النظام العالمي الآتي" الذي أعلنه نجاد من لبنان هو تسمية "مرمزة" لما تسميه عقائدية إيران "دولة العدل الإلهي"، وهي بنص العبارة الصريح "دولة المهدي" التي يُفترض أن إيران تقود إقامتها… وما يزيد في خطورة الكلام العقائدي الذي أطلقه نجاد من لبنان إعلانه الصريح: "(ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادنا الصالحون) (الأنبياء/105)، الإرادة الإلهية هي أن يأتي حفيد من أحفاد خاتم الأنبياء والرسل محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم مع عيسى المسيح (عليه السلام) وثلة من الصالحين كي يأخذوا بيدنا نحو تحقق الدنيا العذبة والجميلة، أجل فإن عشاق البشرية المخلصين وعباد الله المخلصين هم في طريقهم إلينا وسيصلون من فورهم، هيا لننطلق سوية كي يكون لنا قسط وافر من هذه البشرى العظيمة".

هذا أخطر ما أعلنه نجاد من لبنان، ومرتين، في الضاحية الجنوبية وفي بنت جبيل، ولبنان التعددي لا يحتمل "الإكراه" على السير في ركاب العقيدة المهدوية الإيرانية، ولا دعوة نجاد للانطلاق معه في هذه الرحلة المحفوفة بغيبيات عقيدة أولتها فرقة واحدة من فرق الإسلام على هذه الصورة، فاللبنانيون بالتأكيد يرفضون بمعظمهم هذه الدعوة النجادية الواضحة والصريحة…

الحرب مقبلة على المنطقة في ثوب عقائدي يقوده حزب الله – حتى لا يغتر كثيرون من الذين دغدغ مشاعرهم أمين عام الحزب بلاءات عبد الناصر التي قادت المنطقة العربية إلى خسارة القدس وسيناء والجولان والضفة العربية في أيام خمسة فقط، الحرب مقبلة وهي أشد خطورة من كل الحروب التي مرت على المنطقة، لأنها حرب بين دولتين عقائديتين: "إيران ومهدويتها" و"إسرائيل ويهوديتها"، والدولتين مستعدتان لتخوضان بلبنان والعرب جميعاً مآسي هذه الحرب، والحروب العقائدية غالباً ما تنتهي بإبادات جماعية، كان الله في عون لبنان والعرب!!

المصدر:
الشرق

خبر عاجل