تلقيت منذ ليل الخميس 21 تشرين الأول 2010 مئات الرسائل القصيرة على هاتفي الخلوي، وعلى بريدي الالكتروني وعلى الفايسبوك من أشخاص يطالبونني بالردّ على إسفاف بيار الضاهر وأكاذيبه.
توقفت قليلا. أعدت مشاهدة الحلقة مرتين وثلاثا. وددت لو باستطاعتي أن أعيد الزمن الى الوراء، ألا ألمس أن بيار الضاهر، الذي نشأت على الإعجاب بأدائه الإعلامي في خدمة القضية وإخلاصه لها، بدا كيهوذا الخائن.
عادت بي الذاكرة الى عام 2001، يوم كانت الملفات القضائية مرفوعة بين بيار الضاهر من جهة والنائب سليمان فرنجية ونائب رئيس مجلس الوزراء السابق عصام فارس من جهة أخرى. يومها اتصل بي الشيخ بيار الضاهر قبل 5 أيام من تاريخ صدور الحكم، وطلب إلي أن أكتب عن موضوع الدعوى والحكم المنتظر في جريدة "النهار" كوني صحافيا عاملا فيها، وقال لي: "طوني يجب أن نربح الدعوى وألا نسمح لأحد بأن يأخذ الـLBC منا. نحن مؤتمنون على القضية يا طوني. حاول أن تقنع جبران (الشهيد جبران تويني) لأنه لا يجيب على اتصالاتي. نحن بحاجة لتكوين رأي عام ضاغط على القضاء ليصدر حكم لمصلحتنا".
وعدته ببذل كل ما في وسعي إن لم يكن في "النهار" فربما في صحف أخرى بواسطة أصدقاء وزملاء. وفعلا اتصلت بالأستاذ جبران تويني وطلبت منه الموافقة على أن أكتب عن الموضوع فطلب مني غض النظر عن ذلك بسبب إحراجات كان سيسببها له مع فرنجية وفارس.
عندها بادرت الى طلب مساعدة أحد الزملاء في "الديار" وتمكنا من نشر مقال عن الموضوع.
ويوم الاثنين، صدر الحكم لمصلحة بيار الضاهر، فاتصلت به هاتفيا على الخلوي مهنئا. أجابني: "هيك عالتلفون مش مقبولة منك. لاقيني عالشركة أنا واصل".
انطلقت فورا، وما إن وصلت حتى كان الجيش يطوّق الـLBC ويداهم المبنى وينشر جنديا في كل غرفة منه. لم أتمالك نفسي من شدة الغضب. اتصلت بالأستاذ جبران وأخبرته: "أنا في الـLBC وهذا ما يفعله الجيش. أنا ساقوم بالتغطية وآمل أن ترسل لي مصورا. وإن كنت لا تريد أن تفعل ذلك فسأغطي لجريدة أخرى وأقدم استقالتي".
ضحك الأستاذ جبران وأجابني: "إفعل ما يلزم. أنا لا يمكنني أن أقبل بما يجري. المصور سيكون عندك خلال 10 دقائق. وأطلعني على كل جديد فور حدوثه".
وهكذا كان. كنت الصحافي الوحيد من غير موظفي الـLBC موجودا داخل المبنى. قمت بالتغطية كما يجب، وبقيت برفقة بيار الضاهر حتى انتهاء الأزمة بعد أيام عدة الى حين تم الإفراج عن الموظفين الذين كان الجيش اعتقلهم في اليوم الأول.
أهم ما في هذه الرواية أن بيار الضاهر ومنذ اليوم الأول للإشكال، جمع جميع الموظفين الذين كانوا موجودين في مبنى التلفزيون في استديو برنامج "حوار العمر" في الطابق الرابع من المبنى في أدما. وقف على الطاولة وألقى خطابا في العاملين والزملاء، اهم ما جاء فيه: "لن نسمح لأحد بأن يأخذ هذه المؤسسة منا. هذه المؤسسة ليست ملكا لنا. إنها أمانة في أعناقنا ولن نسلمها لغير أصحابها. هذه المؤسسة مدفوع ثمنها شهداء ودما وتعبا ونضالا، وما لم يأخذوه بالحرب وبالقوة لن يأخذوه اليوم. مطلوب منكم جميعا أن تلازموا المؤسسة ولا تتركوها ليل نهار. أحضروا فراشكم وناموا هنا. المؤسسة لكم أنتم بنيتموها، وهي اليوم بحاجة إليكم".
وأنا أستمع الى خطابه شعرت بالفخر وتأثرت. أحسست بوفاء بيار الضاهر للقضية ولقائدها القابع في المعتقل لتبقى لنا الحرية ويبقى لنا لبنان.
ولكن… لكن… لكن… بالأمس، وحين شاهدت برنامج "كلام الناس"، تأكدت كم كنت مخطئا، وكم كان بيار الضاهر "تاجرا" صغيرا يحتال على المؤمنين بالقضية مراهنا على بقاء سمير جعجع في المعتقل.
إسمع يا بيار الضاهر،
أنت تسرق ما بناه شهداؤنا بدمائهم، وهذا لا يمكن أن يدوم مهما طال الزمن، وقد اقترب زمن الحساب بعد القرار الظني لأن الحق لا يموت، وخصوصا حين يكون مجبولا بدماء الشهداء.
سمير جعجع لم يسئ للأمانة، ولو كان باع فعلا الأسلحة ليجني مئات ملايين الدولارات لكان غادر لدى العرض الأول الذي تلقاه، ولم يكن ليختار المواجهة في أقسى ظروف اعتقال.
إسمع يا بيار الضاهر،
لن تنفعك حفنة من المرتزقة التي لا تتعدى أصابع اليدين داخل ما تعتبره "الشركة"، وأنت تعلم أن الأكثرية الساحقة من العاملين في الـLBC إنما هم موجودون لأنهم يؤمنون أنهم يعملون في مؤسسة قواتية ويعتبرون أنفسهم مؤتمنين على دماء الشهداء. والأكثرية الساحقة منهم كما من الذين تركوا المؤسسة بسبب إدارتك السيئة، من أصغر سائق الى أكبر مخرج ومبدع، إنما هم الذين بنوا مجد الـLBC ولست أنت من فعل ذلك.
وجميع هؤلاء سيعيدون الى الـLBC بريقها الذي أفقدتها أنت إياه مع جوقة ماسحي الجوخ حولك الفاسدين الذين بنوا الثروات الطائلة، ليس مما تقاضوه ويتقاضونه شهريا بعرق جبينهم بل عبر تسخير مواقعهم الإعلامية في الـLBC للاسترزاق السياسي من هذه الجهة وتلك، ومن هذا السياسي وذاك.
إسمع يا بيار الضاهر،
كنت، كما الكثيرين، مغشوشا بما تفعله. واليوم اتضح للجميع أنك خسيس تكذب كما تتنفس، وهذا ما فعلته في حلقة "كلام الناس". كذبت في كل شيء واعتمدت سياسة: "اكذب.. اكذب.. لا بدّ ان يعلق شيء في ذهن الرأي العام". لكنك في الحلقة نفسها بدوت مضطربا، متوترا، خائفا… وجمعت حولك عددا من الخائبين من الشهود الزور الحقيقيين.
إسمع يا بيار الضاهر،
الحقيقة ظاهرة وساطعة كالشمس، ولن ينفعك الكذب والتزوير والاحتيال، والحكم آت في المحكمة مهما حاولت المراوغة. والأهم من الحكم القضائي الذي باتت ترتعد فرائصك قبل صدوره حتى، هو حكم الشعب والتاريخ والله… وتأكد أنهم لن يرحموك.
إسمع يا بيار الضاهر،
كان المثل يقول: "مين خلّف ما مات"… أما اليوم فلن نقول أكثر من: الله يرحم الشيخ يوسف الضاهر لأنه ومن دون شك، ومن حيث هو، يقف في طليعة "لاعنيك".