أياً تكن الاعتبارات التي تتحكم بمواقف جنرال الرابية يا إخوان، فإنها في الإجمال تبقى دالة الى حالة استثنائية جداً وفعلاً في الحياة السياسية اللبنانية.
حالة تشي بغرائب نتاجات الحروب الطويلة والمدمّرة والمسنودة والمعروفة في معظم الحالات المماثلة لحالتنا في العالم، أي في معظم الدول التي شهدت شيئاً من الثورات وشيئاً من الاحتراب المحلي، وشيئاً من الهيجان العام الذي تسببه المواجهات والمعارك مع الخارج، وشيئاً من الفوضى الدموية التي تصاحب كل تلك المحطات غير العادية.
ومليئة بطون الكتب بحكايات عن شخصيات وحالات بلورها تراكم الاستثناء والتطرّف في عاديات الأيام وتحولاتها، بحيث يُقال مثلاً إن كل نتاج الأدب الروسي في القرن التاسع عشر تحديداً ما كان ليبلغ تلك الذُرى لو لم يكن نتيجة الكوالح في ذلك الزمن. كوالح توليفة عسف النظام القيصري والصقيع والجوع والأمراض.. وإن نابليون العزيز على قلوب كثيرين من أمثال جنرال الغمّيضة وأشباهه ما كان ليصبغ القارة الأوروبية "بآثاره" لولا الثورة الفرنسية في أواخر القرن الثامن عشر وما أنتجته من كسر ناري دموي لمسار امتد عبر مئات السنين.. وإن ظواهر حادة في تطرفها مثل مثلث هتلر موسوليني ستالين ما كانت قادرة على تعميم أمراضها الخطيرة لو لم تكن هي في الأساس وليدة اضطراب مرضي جماعي خلّفته الحرب العالمية الأولى و"حلولها" القسرية والعقابية والتي أنتجت بالمحصلة حرباً عالمية ثانية بعدها بعشرين عام أو أقل.
وتلك نتاجات الأهوال في الإجمال، بعضها يروح نحو تفجير مكوّنات الإبداع الإنساني من أعماق أعماقه كالأدب الروسي والموسيقى والفلسفة الألمانية والشعر الفرنسي، وبعضها يروح نحو تفجير مكوّنات الشيطنة والشعوذة عند شعوب وأفراد على حد سواء، دافعاً بها وبهم الى الابتعاد عن الواقع وصولاً الى غربة الجنون بعد المرور اليائس طبعاً بالنظم الواعدة بالخلاص في مكان آخر خارج النطاق المرئي فوق هذه الأرض.
وفي أحوالنا الملتبسة والمنتشرة على مساحة الجغرافيا العربية، ظل "الإبداع" المتأتي من تراكم الكوارث محصوراً (مع بعض الاستثناءات) في السياسة والسلطة ليس إلاّ، بحيث إن جريمة قيام إسرائيل لم تنتج فعلياً وعملياً (وبكل راحة ضمير) إلا أنظمة عسكرية وحزبية افترض أهلها وروادها في أنفسهم الرد الأكيد على أفظع مشروع لصوصي واجهه العرب والمسلمون منذ الغزوات الصليبية في القرنين العاشر والحادي عشر.. صار صلاح الدين مثالاً ونبراساً، لكن من دون أن يصل أحد الى "إنجازاته".. وصارت بعد ذلك كارثة تشريد شعب بأكمله وتوالي اعتداءات الغرباء والأجانب على الكيانات العربية القائمة وتهديداتها الوجودية لها ولشعوبها، صارت تلك عدّة مُثلى لتدعيم القبض على النظام والسلطة.. و"الإبداع" في كل حال، تجلّى ولا يزال في ذلك المقام الأكيد!
في حربنا المحلية الطويلة، بانت توليفة انهيار السلطة واستباحة الدستور وخراب المؤسسات والاجتماع الوطني وتفتيت الناس وانتعاش ثقافات القتل والسحل والخطف والنسف والغربة والعوز، وكل الأمراض الكامنة في كل ذلك والمتأتية من كل ذلك.. وخرجت على هامشها ظواهر تدّعي وصلاً بائساً وكئيباً بالتجارب الخارجية المماثلة وبنتاجاتها. فكان أن حصدنا على بيادر بؤسنا المنحوس حالة جنون انتحارية عامة على مستوى الكيان أنتجت في إحدى مستوصفاتها حالة جنون فردية ضرب فيها الاضطراب النفسي والعصبي والعضلي حتى النخاع!
حتى في نتاجات البؤس والانتحار محكومون بالابتذال ولا نشبه غيرنا.. لكن يكفي جنرال البؤس والبلف فخراً أن يمر اسمه في زمننا ليرادف مصطلح الجنون ليس إلا!
