مفاعيل القمة السعودية السورية وعوامل إقليمية ودولية تظلل أجواء التهدئة الداخلية
"ستاتيكو" سياسي يجانب المسّ بالوضع الحكومي ويتأقلم مع إستمرار المحكمة الدولية بمهماتها
"ان كل المحاولات التصعيدية لم تؤدِ الى تبديل أو تغيير في مهمات المحكمة الدولية أووقف عملها"
يبدو أن مفاعيل القمة السعودية – السورية الأخيرة التي أرخت بمفاعيل تهدئة ملحوظة على الخطاب السياسي الداخلي وقلّصت الى حدود معينة عوامل استهداف الاستقرار الأمني على خلفية الحملة المبرمجة التي شنّها <حزب الله> ضد القرار الظني في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، تضافرت مع عوامل اقليمية ودولية وتوازن حالة القلق الداخلية وساهمت بتنفيس جزئي لحالة الاحتقان السياسي وأعادت تهدئة الجو السياسي العام وفتحت أبواب الحوار بين رئيس الحكومة سعد الحريري من جهة و<حزب الله> من جهة ثانية
. وبالرغم من عدم الإعلان عن تفاهم ما أو اتفاق محدد يدعم حالة التهدئة السياسية واستمرار تمسك كل طرف سياسي بمواقفه من المحكمة الدولية كما يظهر حتى الآن من المواقف المعلنة في وسائل الإعلام على الأقل، يلاحظ أن كل الأطراف تتهيّأ حالياً للتعايش مع الواقع القائم انطلاقاً من المظلة القائمة عربياَ ودولياً الى حد في انتظار تطورات معينة تحصل على هذا الملف أو ذاك يمكن أن تؤدي الى تأثيرات تنعكس بشكل أو بآخر على الوضع اللبناني العام. فحزب الله ما يزال متمسكاً بموقفه الرافض لأي قرار ظني يتضمن اتهاماً لعناصر من الحزب بالتورط في جريمة اغتيال الرئيس الحريري، ويذهب الى أبعد من ذلك بالدعوة الى إسقاط المحكمة الدولية بالكامل، في الوقت الذي يتمسك فيه الرئيس الحريري وحلفاؤه باستمرار عمل المحكمة الدولية لكشف حقيقة من ارتكب جرائم الاغتيال السياسي وتحقيق العدالة وليس من باب الثأر والانتقام السياسي كما يحاول البعض تصوير ذلك خلافاً للواقع، وهذا حق لا يمكن التنازل عنه مهما تصاعدت وتيرة التهديدات والتهويلات من قبل البعض.
وإزاء عدم قدرة تغيير الوضع الحالي بفعل ظروف التوازنات القائمة ومظلة التهدئة العربية والدولية فمن المرجح أن يستمر الوضع السياسي الراهن حالياً مع احتفاظ كل فريق بموقعه وانتظام الجميع في الحكومة الحالية واستمرار تسيير أعمالها بأقل قدر من التباينات والخلافات من دون المسّ بالوضع الحكومي بشكل عام، بالرغم من الخروقات وجنوح البعض لتجاوزات وحملات محدودة من هنا أو هناك، في الوقت الذي لم يستطع أي طرف من تجاوز حدود التوازنات الداخلية أو إطاحة التركيبة السياسية القائمة بالرغم من كل حملات التهويل والتبشير من وقت لآخر بسيناريوهات الفتنة والانقلابات السياسية وما شابه.
وفي المقابل فإن كل المحاولات التصعيدية لم تؤدِ الى تبديل أو تغيير في مهمات المحكمة الدولية أو وقف عملها، بل أن الوقائع والمؤشرات حسب ما لمس أعضاء الوفد الاعلامي اللبناني الذي يلبي دعوة خاصة للاطلاع على عمل المحكمة في لاهاي عدم تأثر عمل المحكمة بكل ما يحصل في لبنان، ولاحظ معظم هؤلاء غياب أي ترددات أو تأثير للصخب السياسي والضجة المفتعلة في لبنان على مهمات المحكمة، بل عكس ذلك تماماً، تبيّن أن وتيرة العمل تجري بجدية وسرعة لافتة لبدء مهمات المحكمة بملاحقة المتهمين في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري استناداً الى ادلة صلبة وليس الى الاتهام السياسي كما يدعي بعض الاطراف اللبنانيين في مواقفهم من المحكمة.
ولكن هذا الواقع الذي يفرض نمطاً معيناً من التعاطي السياسي الداخلي، يبدو أنه لن يثني الأطراف الداعين لإلغاء المحكمة عن الإستمرار بإثارة مشاكل جانبية أو محاولة الإلتفاف على الأطراف الداعمين للمحكمة من خلال تعطيل ملفات أو قضايا معينة أو اللجوء إلى إستهداف مسيرة الرئيس الشهيد رفيق الحريري ومحاولة النيل من الإنجازات التي حققها في مسيرة الإنماء والإعمار والنهوض الإقتصادي كما يفعل رئيس التيار العوني النائب ميشال عون من وقت لآخر في محاولة مكشوفة منه للرد على اعتقال القيادي في التيار العميد المتقاعد فايز كرم بشبهة التعامل مع إسرائيل، أو كما يحصل حالياً في مجلس الوزراء من خلال عرقلة كل القضايا والمشاريع والملفات التي تطرح من وقت لآخر، تارة تحت شعارات مزيفة لا تتطابق مع الواقع، بل تهدف الى الالتفاف على تعطيل اي انجاز في مسيرة الحكومة الحالية أو وقف كل ما يهم التيار السياسي الداعم لها وهو تيار المستقبل.
ولذلك لا ينتظر أن تتوقف السجالات السياسية إنطلاقاً من مفهوم التهدئة الذي كرّسته القمة السعودية – السورية الأخيرة على خلفية الخلاف الحاصل حول المحكمة الدولي، بل من المتوقع أن تشهد السجالات السياسية استمرار الحملات من نوع آخر لحين صدور القرار الظني في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري والمتوقع حسب المؤشرات قبل نهاية العام الجاري، في حين أن كل طرف من الأطراف السياسية يستعد للتأقلم مع الوضع الجديد ومواجهة الطرف الآخر ضمن مناخات التهدئة المفروضة حالياً والتي لن تشمل الملفات والقضايا الخلافية الداخلية الأخرى والتي يبدو أن الطرف الرافض لإستمرار عمل المحكمة الدولية يجهز نفسه حالياً، لإستهدافها في حملته السياسية المقبلة كبديل عن شعارات اسقاط القرار الظني والمحكمة الدولية التي يبدو أنها مظللة بغطاء مجلس الأمن الدولي حتى اشعار آخر ومستمرة في مهماتها حتى النهاية.