Site icon Lebanese Forces Official Website

المعارضة تدعو الحريري للسير على خطى وليد جنبلاط؟!

شكّل انحياز وليد جنبلاط عن قوى الرابع عشر من آذار ضربةً كبيرة لمسيرة "ثورة الأرز"· فعَل جنبلاط ما وجد فيه مصلحةً للدروز وللبنان، بعدما بات السلاح جزءاً من معادلة الأمن والسياسة في الداخل·

لم يكتف جنبلاط بالخروج من "الرابع عشر من آذار" رسمياً، اعتباراً من الثاني من آب 2009، وإنما تحوّل إلى "قدوة" يدعو – هو – حلفاء الأمس للاقتداء بها، كما يدعو الفريق الآخر خصومه – لا سيما الحريري منهم – للتمثل بجنبلاط، حفاظاً على النفس، لأن "موازين القوى والمعادلات الإقليمية قد تغيرت"، بدليل استشعار جنبلاط لهذا التغير وتبديل خطابه!·

ليس طرحاً أخلاقياً

ثمة ملاحظة أولية في هذا الطرح؛ هو افتقاده الأخلاقية التي ينبغي أن يتحلى بها المقاومون، لا سيما منهم "المنسوبون إلى الله"، لأن هؤلاء – وهؤلاء تحديداً – يسيرون عكس موازين القوى، ولهذا يسمون في العالم أجمع مقاومة، على اعتبار أن المقاومة لا تنشأ إلا عندما تختل موازين القوى لصالح الخصم، فتنشأ المقاومة من رحم هذا الواقع – سواء كانت مقاومة مدنية أو عسكرية – مسببةً الألم للطرف الأقوى وصولاً إلى إجباره على الرضوخ لمطالب المقاومين·

هذا ما حصل – عسكرياً – في لبنان في العام 2000، عندما أجبر مقاوموه الأبطال، رغم ضعف قوتهم – مقارنة بالجيش الإسرائيلي – العدو على الانسحاب بلا قيد أو شرط· وهو ما حصل – مدنياً – في العام 2005 عندما فرض مليون مواطن لبناني إرادتهم وغيروا واقع البلد· هؤلاء وهؤلاء لم ينظروا كثيراً إلى موازين القوى، وإنما نظروا إلى موازين الحق والإرادة·

وهكذا، فإن القوى التي نجحت في صنع واقع جديد، سواء مع العدو المحتل، أو مع الخصم السياسي داخل البلد الواحد، لم تكن إلا تلك القوى التي تحدت موازين القوى، وفرضت إيمانها بقضيتها على القوى كلها، والشواهد في التاريخ أكثر من أن تحصى·

معنى ذلك؛ أنه عندما يدعو "حزب الله" الآخر للاستسلام، أو لتسوية استسلامية، وفق حساب موازين القوى – على فرض أنها باتت كما يدعي الحزب وحلفاؤه – فإنه يدعوه حقيقةً لأن يكون فاقداً للإيمان، الذي بوجوده تتغير المعادلات·

وبما أن "حزب الله" لا يرضى هذه الحالة لنفسه، فإن كثيرين غيره من حقهم عدم الرضا أيضاً؛ فما يريده الحزب المذكور اليوم من خصومه، هو عكس ما تزخر به أدبيات الحزب نفسه؛ من إيمان بالمبادئ، والإخلاص لها، والاستشهاد من أجلها··· ثم الوفاء للشهداء الذين استشهدوا على درب هذه المبادئ، ذلك أنه، إذا كان من صفات السياسة التغير في المواقف، إلا أن ليس من صفاتها الانقلاب على المبادئ، وإنما خدمة المبادئ، بـ "فن الممكن"، مع الإشارة إلى أن ثمن الصمود في كثير من الأحوال – لا سيما عندما لا تكون التسوية عادلة – يبقى أقل بكثير من ثمن الاستسلام·

ما لا ينبغي أن يفوتنا ختاماًً؛ هو أن الاحترام الحقيقي لا يناله إلا أولئك المعتصمون بمبادئهم، مهما تقلبت موازين القوى، لأن هذا الأمر وحده هو الذي يجعل مؤيديهم وخصومهم يثقون بهم وبعهودهم، حال النزاع أو التسوية؛ فكم من فئة في التاريخ انحنى الخصوم أمامها، إعجاباً منهم بصمودها وتضحياتها ووفائها لمسيرتها، رغم اختلافهم معها إلى حد الاحتراب·

هل يمكن للحريري أن يقتدي بجنبلاط؟·

لا يخفى أن فريق الثامن من آذار يحاول جاهداً "تشجيع" الرئيس سعد الحريري على السير على خطى النائب وليد جنبلاط، تارةً بوصف المواقف التي تعجبهم بأنها "شجاعة، والمطلوب المزيد"، وتارة بالدعوة إلى "قراءة المتغيرات من حوله حتى يكون له مكان وسطها"، وتارةً يقولون إن الحريري عازم على "الإيجابية" غير أن فريقه السياسي لا يريد لهذه "الإيجابية" أن تتم!، فيما النائب وليد جنبلاط يهوّن المسألة بالقول (10/10/2010): "أحياناً نمرّ بفترات يتطلب فيها من المرء تضحيات، وكلنا مررنا بذلك، حيث يكون من الضروري أن نتخلّى عن بعض المرافقين السياسيين، أي بمعنى أن نقول لهم: أنتم انتهى دوركم"· فهل يمكن للرئيس الحريري، تحت ضغوط الترغيب، والترهيب، وتبسيط الأمور، أن يقتدي فعلاً بالنائب وليد جنبلاط؟!·

الجواب طبعاً لا، لأسباب شخصية وطائفية وموضوعية تجعل من حالة جنبلاط الطائفية والوطنية عصية على الاستنساخ، حتى لو حاول الآخرون الاقتداء بها!·

1 – من الناحية الشخصية؛ ثمة "ميزات" كثيرة في شخصية النائب وليد جنبلاط تجعله قادراً على التقلب زئبقياً في مواقفه، الأمر الذي يعجز الآخرون عن صناعته، نظراً للصفات والطباع والتنشئة التي شكّلت تكوين شخصياتهم السياسية·

2 – من الناحية الطائفية؛ بمقدور النائب وليد جنبلاط أخذ طائفته أو جزء كبيرا منها إلى مواقفه الجديدة، بغض النظر عن اقتناعهم بهذه المواقف، لكن ليس بمقدور بقية الزعماء فعل ذلك، وخصوصاً في الشارعين السني والمسيحي، ما يعني أنه يصعب على الحريري أخذ شارعه إلى خيارات معاكسة، بل يخشى من "تفلت" الشارع السني في هذه الحالة، وصعود قوى أخرى متطرفة تحت عنوان:

"الدفاع عن كرامة ووجود السنّة"·

3 – من الناحية الموضوعية، لا يمكن إشاحة النظر عن أن الحريري هو رئيس حكومة لبنان، وبالتالي فهو يمثل بصفته الدستورية حكومة كل اللبنانيين، كما أنه جزء من تحالف 14 آذار، الذي يؤمّن للحريري توازناً سياسياً في مواجهة الفريق الآخر، وتالياً فهو بحاجة للاحتفاظ بعلاقاته بحلفائه، فضلاً عن أنه يمثل طائفة كبيرة، لم تفكر يوماً بأنها أقلية تبحث عن حماية·

بناءً عليه، فإن الطلب من الحريري تنفيذ جملة المطالب "التي يعرف أن عليه فعلها" – وفق تصريح مسؤولي "حزب الله" – هو بمثابة "تكليف بغير المقدور"، أو بمعنى أكثر وضوحاً؛ هو بمثابة مطالبته بنحر نفسه، تحت طائلة نحره بسكين الخصم·

هذه هي حقيقة الواقع، مهما تجمّل هذا الواقع بالكلمات والشعارات المضللة··· وهذا هو سبب عدم جدوى التنازلات والتسويات الكثيرة، التي يحاول الرئيس الحريري من خلالها مد اليد إلى الطرف الآخر، لعله يُنقذ بذلك لبنان·

Exit mobile version