أعاد المجتمع الدولي خلال الأيام الأخيرة التأكيد على دعم الاستقرار في لبنان ودعم عمل المحكمة الخاصة بلبنان. ولوحظت مواقف أميركية وفرنسية متتالية صبت في هذا التوجه قبل زيارة مساعد وزيرة الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى جيفري فيلتمان إلى لبنان الأحد الماضي. وبعدها من خلال مواقف الدول الفاعلة في مجلس الأمن الدولي، وصولاً إلى الاتصال الهاتفي الذي تلقاه رئيس الجمهورية ميشال سليمان من وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون. ومن ثم الاتصالات التي يجريها فيلتمان في باريس حالياً وتلك التي أجراها قبل ذلك في الرياض.
وتؤكد مصادر ديبلوماسية غربية بارزة، أن كل هذه الحركة الدولية تقصد توجيه رسالة من المجتمع الدولي إلى كل من يهمه الأمر في لبنان وخارجه حول أن الدول لن تتراجع عن دعم المحكمة، وانه عندما وجدت أن هناك جهة أو جهات تعمل من أجل محاولة تقويض عمل المحكمة، أعيد التركيز على عملها ومسارها وعلى القرارات الدولية ذات الصلة بالوضع اللبناني.
وترى المصادر أن الجميع فهم الرسالة ومغزاها ومدلولاتها خصوصاً وأن للمحكمة مساراً مستقلاً وتعمل بعيداً من السياسة والأضواء. وقد طلب الأميركيون في مجلس الأمن ان يتم التأكيد على عمل المحكمة في مناسبة اجتماع المجلس في جلسة مشاورات حول الشرق الأوسط الاثنين الماضي. واستجابت لهذا الطلب كل من فرنسا وبريطانيا. على أن دولاً أخرى اتخذت الموقف نفسه في المجلس مثل تركيا والنمسا وروسيا الاتحادية، وهذا كان مهماً جداً.
ولفتت المصادر إلى التنسيق الجاري بين واشنطن وباريس بشأن الوضع اللبناني في سياق التنسيق بينهما حول الملفات العربية وشؤون الشرق الأوسط. ويبحث فيلتمان في باريس الخطوات التنسيقية حول الوضع اللبناني وفقاً لمعادلة الاستقرار والعدالة، على أن يساعد اللبنانيون أنفسهم في البداية وملاقاة ذلك بتشجيع أميركي فرنسي بالتعاون مع كل الدول الأوروبية والعربية المهتمة بالشأن اللبناني والتي تكرست جهودها عبر التهدئة والاستقرار المعمول بهما حتى الآن، ما يعني أن المبادرة يجب أن تكون في الأساس من اللبنانيين والتي تصب في خانة معادلة الاستقرار والعدالة.
إنه الدعم للبنان مجدداً، وحيث تدعو الحاجة بغض النظر عن الحوارات الدولية الإقليمية، وحيث التفاوت في النظرة بين الرئيس باراك أوباما وسلفه جورج بوش. فالأول يقول بضرورة الحوار مع من لا يوافقه في السياسة لإقناعه بها، خلافاً للثاني الذي كان يقول بأن لا حوار مع من لا يوافقه في سياسته. فالأهم عدم تسليم لبنان أو التخلي عنه، وهذا ما تؤشر إليه الرسائل الدولية الحالية حول الوضع اللبناني. إذ ليس جديداً أن يكون للمجتمع الدولي علاقات غير جيدة مع بعض الأطراف أو انعدام للعلاقات مع أطراف أخرى.
وهذا الدعم هو ما يستطيع المجتمع الدولي تقديمه والإصرار عليه بغض النظر عن الظروف الدقيقة التي تمر بها السياسة الأميركية في بعض المواقع في المنطقة. انما تبقى هي القوة العظمى، وتبقى فرنسا الدولة المهمة ذات المرجعية في السياسة الدولية.
وتتضمن رسالة الدعم المتجدد ما مفاده دعم هذا التوجه في معالجة القضايا الدولية لا سيما المتصلة بالإرهاب. والمحاكم الدولية مسار أنشئ وتم اللجوء إليه بعد انهيار الاتحاد السوفياتي السابق. وأي تخلٍّ عن المحكمة، يعني تخلياً عن هذا النمط من معالجة الجرائم أو القضايا المشابهة. فالأمر لا يتصل بلبنان فحسب، وأي خلل في إتباعه سيضع جميع الدول أمام تساؤلات اذا ما حصلت جرائم مشابهة بحيث يمكن من الصعب اللجوء إليه إذا ما توقف المجتمع الدولي عن مواصلة دعمه.
فضلاً عن هذا، فإن المساومة على أي محكمة سيجعل الأمر مفتوحاً أمام كل المحاكم. وهذا لن يحصل. ثم إن المحكمة تجعل المجتمع الدولي قادراً على تبرير مواقفه وثوابته، لا سيما ما يتصل مثلاًُ بمنع الإفلات من العقاب، في أي مكان في العالم، لذا لن يتم التخلي عنها.
وبالنسبة إلى مسألة التمويل، فإن أي معوقات لبنانية في هذا المجال، لن تقف حائلاً أمام المجتمع الدولي في متابعة تمويلها، ولن يسمح بأن تسقط المحكمة ما دام داعماً لها بسبب موضوع التمويل. فهناك قدرة على تجميع مساهمات من الدول مباشرة، وعلى طرح الموضوع على الجمعية العامة للأمم المتحدة والتي تعود به إلى اللجنة الخامسة. وفي كلا الحالتين القرار الدولي بدعم المحكمة هو الأساس في تأمين الأموال لها.