#adsense

السينودس : تمسك المسيحيين بالأرض وصياغة علاقات جديدة مع المسلمين

حجم الخط

على مدى أسبوعين حافلين بالمداولات والمناقشات المعمقة، تابع المسيحيون عموماً ومسيحييو الشرق خصوصاً، أعمال سينودس كنائس الشرق الاوسط الذي يختتم أعماله اليوم الاحد 24 تشرين الاول في روما وتصدر توصياته بعد اسبوعين من المداولات والمداخلات في مجمع مقفل يساهم فيه العديد من رجال الدين الكاثوليك وبرعاية واشراف قداسة الحبر الاعظم البابا بينيديكتوس السادس عشر.

وعودتنا إلى روما للمشاركة في اختتام اعمال السينودس يثبت أهمية هذا الحدث الكنسي التاريخي بكل ما للكلمة من معنى. فللمرة الأولى تسلط الاضواء على الوجود المسيحي في الشرق الاوسط ويحصل هذا النوع من الاهتمام الاستثنائي من جانب الفاتيكان بمسيحيي الشرق الذين يعيشون على أرض مقدسة هي مهد المسيحية ونبعها ومركز أشعاعها وانتشارها في كل العالم، والذين رغم كل الصعاب والتحديات ما زالوا يحملون في ايديهم شعلة المسيحية الحقة الاصلية، شعلة متوقدة لا يمكن ولا يجب ان تنطفىء… لكنها في خلال عقود وسنوات أخيرة أخذت تذوي وتضعف عندما بدأ المسيحيون يواجهون أخطاراً من نوع جديد دفعتهم إلى النزوح القسري عن أرض آبائهم وأجدادهم واللجوء إلى "الغرب المسيحي" البعيد عن هواجسهم ومشاكلهم وغير المدرك لخصوصية وجودهم في منطقة الشرق الأوسط والرسالة التي يجسدها هذا الوجود حتى لا نقول غير العارف أو غير الشاعر بوجودهم في هذه المنطقة.

الوجود المسيحي في هذ المنطقة شهد تدهوراً سريعاً ومريعاً في السنوات الأخيرة، ولاسيما في العراق الذي كانت مأساة المسيحيين فيه سبباً مباشراً إلى عقد هذا السينودس وتسريع وتيرة التحضير له وحرق مراحله… ولذلك فإن المسألة التي استحوذت على القسم الأكبر من المناقشات هي مسألة التناقص المتزايد في اعداد المسيحيين في الشرق والذي ينذر في حال تواصله على هذه الوتيرة باضمحلال الوجود المسيحي وزواله في العديد من بلدان هذا الشرق.

ان نظرة إلى البلدان والأراضي الشرق أوسطية التي يعيش فيها 356 مليون مواطن منهم حوالي 20 مليونا من المسيحيين، 6 ملايين منهم يتبعون الكنيسة الكاثوليكية، تبين حجم التراجع والتضاؤل في عدد المسيحيين. وعلى سبيل المثال، وحسب تقارير ودراسات نشرت في السينودس، فإن مسيحيي العراق الذين وصفهم البابا بينيديكتوس السادس عشر بأنهم "أضعف أقلية دينية" في العراق، بلغ عددهم حتى العام 2003 نحو (850) الف مسيحي أغلبهم كلدانيون وسريان، ليصل هذا العدد اليوم إلى اقل من 400 ألف بعد سنوات معدودة من سقوط نظام صدام حسين "الاسلامي" ودخول قوات التحالف "المسيحية" إلى العراق (انها لمفارقة غريبة جداً). والمسيحيون في فلسطين ليسوا افضل حالاً، فالارض التي عاش فيها المسيح تتحول فيها الكنائس من دور عبادة إلى متاحف ومراكز للسياحة الدينية. فالمسيحيون لا يمثلون الآن سوى واحد في المئة من سكان الاراضي الفلسطينية بعدما كانوا في عام 1920 يمثلون عُشّر سكان فلسطين. وفي بيت لحم وحدها انخفض عدد السكان المسيحيين من (12) الفاً عام 1995 إلى نحو سبعة آلاف اليوم. وفي لبنان حيث رئيس الدولة مسيحي وحيث لا وجود لرئيس مسيحي في بلد آخر في الشرق الاوسط، لم يعد المسيحيون يمثلون اكثر من 35% إلى 40% من سكان لبنان وفق آخر الاحصاءات واكثرها تفاؤلاً…

النقطة المحورية في مناقشات السينودس واهدافه تمثلت في مسألة التراجع المثير في اعداد المسيحيين وفي ظاهرة الهجرة الواسعة والنزف المستمر بوتيرة تصاعدية في وجودهم وحضورهم ودورهم وقدراتهم. وتوزعت التقارير والمداخلات في اتجاهين: البحث عن الاسباب التي تدفع إلى الهجرة المسيحية والبحث عن الطرق والمعالجات التي توقف هذه الهجرة أو تحد منها.

وتبين نتيجة النقاش المطول حول هذه المسالة ان هناك اسباباً وأوضاعاً خاصة سياسية أو اقتصادية أو امنية في كل بلد تؤدي إلى هجرة المسيحيين منه وتناقص اعدادهم، وان الظروف التي يعيش فيها المسيحيون تتباين من بلد إلى آخر، الا ان الصورة العامة تظهر ان المشاكل والتحديات التي يتعرض لها المسيحيون هي مشتركة بين كل مسيحيي الشرق الاوسط واهمها الصراع الفلسطيني-الاسرائيلي والعنف الديني، والتشدد والاصولية الاسلامية، والازمة الاقتصادية وعدم وجود فرص عمل للشباب، والانقسامات القديمة المزمنة بين الجماعات والكنائس المسيحية… ولكن تم تسليط الضوء على عاملين رئيسيين دافعين إلى الهجرة: الاول هو الصراع العربي – الاسرائيلي الذي يعرف بـ "ازمة الشرق الاوسط" ويسبب حالة عدم استقرار في شتى انحاء العالم، وبالتالي اصبح تصحيح الاخطاء والمظالم التاريخية التي ارتكبت بحق شعوب الشرق الاوسط وخصوصاً الشعب الفلسطيني مدخلاً إلى تعزيز الاستقرار في المنطقة وتثبيت المسيحيين على أرضهم.

أما المسألة الثانية فتتمثل في صعود "الاسلام السياسي" منذ السبعينات واتخاذه في العقدين الاخيرين اشكالاً عنيفة يهدد المنطقة كلها ويشكل خطراً على الجميع مسيحيين ومسلمين، الأمر الذي يتطلب عملاً مشتركاً لمواجهة هذا الخطر المشترك. وهنا يأتي دور المسلمين ومسؤوليتهم في ان يبادروا إلى طمأنه المسيحيين وحماية دورهم ووجودهم، وان يكونوا قادرين على دعم المبادرات الرامية إلى البحث الدقيق في مفهوم العلمانية الايجابية للدولة. فهذا يمكن ان يساعد في القضاء على الصيغة الدينية للحكم ويسمح بمزيد من المساواة بين المواطنين من مختلف الديانات. كما ينبغي على الشركاء المسلمين الذين يشكلون اكثرية ان يعطوا اخوتهم المسيحيين فسحتهم الخاصة، فلا يقتصر الامر على حضور في المجتمع فحسب ، وانما يعني كذلك إعداد مشروع هذا المجتمع وحكمه الجيد. وهكذا فإن المسيحيين الذين ساهموا في الماضي في نهضة الثقافة والمجتمعات العربية سيساهمون ايضاً فيها في المستقبل ويعيشون جميعهم المشاركة والمساواة والحرية المطلقة معاً ومع شركائهم.

لقد أفرد السينودس حيزاً خاصاً وهاماً بشأن العلاقات بين المسيحيين والمسلمين في العالم وما فيها من تقاطعات وتجاذبات. ولم يخف المؤتمرون مخاوفهم من اشكالية تطور الاسلام المعاصر وتصاعد الاسلام السياسي من جهة والاسلام الاصولي المتطرف من جهة ثانية، وما تشكله هذه الظاهرة من تأثير على وضع المسيحيين في العالم العربي. فالاسلام السياسي يشمل تيارات دينية مختلفة تريد ان تفرض اسلوب حياتها اسلامياً على المجتمعات وعلى كل الذين يعيشون فيها من مسلمين وغير مسلمين… والاصولية الاسلامية تتوسل العنف والتطرف الديني سبيلاً لترجمة افكارها ومشاريعها الخطيرة.

وبقدر ما ركز السينودس في مناقشاته وفي توصياته لاحقاً على أهمية تمسك المسيحيين بالارض وتعزيز الانتماء للحد من هجرتهم، وعلى أهمية الحريات الدينية والسياسية والسلام الاجتماعي والنمو الاقتصادي والديمقراطية الليبرالية، وبقدر ما حث المسيحيين على التجدد في الكنيسة والشراكة بين جميع الطوائف المسيحية والعودة إلى الجذور والأصول وروحية الألف الأول للكنيسة، فإنه شدد ايضاً على إعادة صياغة العلاقة مع المسلمين وعلى اساس التزام جدي في الحوار معهم، اذ لا سلام ولا استقرار من دون حوار مسيحي-اسلامي مع احترام الحقوق المتبادلة والمحافظة على كرامة كل من الطرفين، وعلى المسيحيين الذين هم ابناء هذه الارض وأساس هذه المنطقة ان يشعروا أن ليس عليهم ان يصنعوا مصيراً خاصاً بهم، وانما مصيراً مشتركاً مع شركائهم المسلمين… وعلى المسلمين ان يفهموا المسيحيين وحقوقهم ولا يتعاملوا معهم كأقليات أو أهل ذمة، وان يظهروا للمسيحيين ويؤكدون لهم ان انخراطهم في العالم العربي، كما أوصى بذلك قداسة البابا الراحل يوحنا بولس الثاني في الارشاد الرسولي من اجل لبنان، لا يفقدهم حقوقهم ولا حرياتهم وانما يجعلهم يعيشون مع شركائهم في الشرق الاوسط المشاركة والمساواة والحرية المطلقة…

المصدر:
صدى البلد

خبر عاجل