الإفادة من فترة الهدوء لمواجهة القرار الظني بالوسائل المشروعة
قوى 8 آذار تكرر محاولات تحوّلها إلى أكثرية
من منهما يطيّر الآخر: المحكمة تطيّر الحكومة ام الحكومة تطيّر المحكمة؟ هذا هو السؤال الذي لا جواب عليه، لان المعركة بينهما شديدة وقاسية، وكل منهما يعدّ العدة خلال فترة التهدئة لمرحلة مابعدها ولكن بالوسائل المشروعة وداخل المؤسسات الدستورية، لان الوسائل غير المشروعة قد يكون لها تداعيات ليس على لبنان وحده بل على المنطقة، اذ تشعل حربا مذهبية تكون اسرائيل المستفيدة الوحيدة منها، فما هي اذاً الوسائل المشروعة التي تطيح إما الحكومة وإما المحكمة؟
في المعلومات ان قوى 8 آذار والمتحالفين معها بدعم سوري واضح ومكشوف، تحاول مجددا أن تصبح هي الاكثرية وقوى 14 آذار اقلية، وهذا يتحقق بخروج النائب وليد جنبلاط من موقع الوسط ومن المنطقة الرمادية الى منطقة قوى 8 آذار، التي بات اقرب الى لونها السياسي من لون قوى 14 آذار ، او يبقى حيث هو على ان يكون في مواقفه عند طرح المواضيع المهمة مع 8 آذار، فاذا نجحت قوى 8 آذار في محاولتها هذه مع نواب مستقلين ايضا في قوى 14 آذار او خارجها، فان رئيس الجمهورية كونه رئيسا توافقيا وحياديا يتحتم عليه ان يتعاون مع اي اكثرية جديدة تتكون، وإلا اصبح طرفا. وما حملة رئيس الحكومة السورية محمد ناجي العطري المفاجئة على قوى 14 آذار ووصْفها بـ"الكرتونية" سوى اشارة واضحة الى ان هذا اول الغيث، وأن سوريا لم تغير سلوكها حيال لبنان. هذا وتطمح قوى 8 آذار والمتحالفون معها، في سعيها الى ان تصبح اكثرية، الى كسب دول عربية وغربية تقف مع قوى 14 آذار، او كسب على الاقل سكوتها، فانها تعتمد بواسطة سوريا على تحقيق ما لم تستطع قوى 14 آذار تحقيقه منذ ان كانت تؤلف الاكثرية عقب انتخابات 2005 وانتخابات 2009، حيث لم تتمكن من انتخاب رئيس للجمهورية منها ولو بأصوات النصف زائد واحداً، ولا بتشكيل حكومة منها ايضا، انما اضطرت الى تشكيل حكومة من كل القوى السياسية الاساسية بحيث لا يصدر قرار في مواضيع مهمة الا بالتوافق وليس بالتصويت، خصوصا اذا كانت نتائجه في غير مصلحة الاقلية.
فأوساط قوى 8 آذار، ومعها اوساط الحكم في سوريا تعتقد ان الدول العربية والغربية التي تساند قوى 14 آذار، لا يهمها مساندة اشخاص بل مبادئ ومواقف، فاذا كان في استطاعة قوى 8 آذار تحقيق ما لم تستطعه قوى 14 آذار، ولاسيما ما يتعلق بموضوعي سلاح "حزب الله" وسلاح الفلسطينيين خارج المخيمات وداخلها، لتقوم عندها الدولة القوية القادرة على بسط سلطتها على كامل الاراضي اللبنانية تنفيذا للقرار 1701 بكل مندرجاته، فان هذه الدول لن تمانع في ذلك، ولن تقدم صداقاتها لاشخاص على مصالحها الحيوية في المنطقة.
وعندما تقوم هذه الدولة على يد قوى 8 آذار والمتحالفين معها، فان تسليم سلاح المقاومة يتم عندئذ للسلطة ، أي تكون قد تسلمتها في الحقيقة هذه القوى نفسها، وتصبح سوريا عندئذ مستعدة لاقامة علاقات من دولة الى دولة ومعالجة كل المشكلات التي لا تزال بدون معالجة رغم مرور سنوات طويلة عليها، مثل ترسيم الحدود وضبطها وحسم النزاع حول مزارع شبعا واغلاق ملف المفقودين، لان حلفاءها يصبحون هم الدولة…
وعند نجاح قوى 8 آذار، بدعم سوري وايراني، في ان تصبح اكثرية، فانها تستطيع عندئذ تشكيل حكومة منها ومن قوى 14 آذار التي تكون قد اصبحت اقلية، وهذا اذا قبلت المشاركة فيها او قبل بعض اركانها،فيكون ذلك بداية تفككها فتفقد عندئذ قوتها حتى كمعارضة…
اما اذا لم تنجح قوى 8 آذار في ان تتحول الى اكثرية كي تجعل المحكمة ذات الطابع الدولي تسلك مسارا آخر يبدد هواجس الخائفين منها، فانها قد لا تلجأ الى تطيير الحكومة الحالية لان ذلك لن يحقق اهدافها بالنسبة الى المحكمة اذا لم تكن ضامنة تشكيل حكومة جديدة، ذلك ان إحداث فراغ حكومي لن يكون في مصلحتها بل في مصلحة قوى 14 آذار، اذ ان هذا الفراغ يعطل اجراءات محاكمة شهود الزور، ويجعل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان تتابع سيرها وتتحرك في ضوء ما تضمنه القرار الظني حتى وان لم يستجب من هم وراء المتهمين بالتورط في جريمة اغتيال الرئيس الحريري ورفاقه للمَطالب باعتقالهم، وعندها تختار المحكمة بين ان تصدر احكاما غيابية او تطبق الفصل السابع في التوصل الى اعتقالهم.
لذلك، فان ملف الشهود الزور، المطروح على مجلس الوزراء سيواجه احد الاحتمالات الآتية:
اولا: ان يبقى من دون بت اذا ظل التوافق على اتخاذ قرار في شأنه متعذرا، ومع مرور الوقت على هذا الوضع يكون القرار الظني قد صدر واصبح هو الشغل الشاغل للأوساط الرسمية والسياسية والشعبية، ويكون لكل من قوى 8 و14 آذار موقف منه، إما في اتجاه المواجهة الحادة او التسوية.
ثانيا: ان يطرح ملف الشهود الزور على التصويت حسما للخلاف القائم في شأنه، فاذا تعادلت الاصوات، فان موضوع هذا الملف يبقى معلقا الى ان يحصل توافق في شأنه او يصبح التصويت حاسما بانقسام الوزراء بين اكثرية وأقلية، فتؤدي نتيجة هذا التصويت الى انسحاب الطرف الخاسر من الحكومة، فتتحول عندئذ حكومة تصريف اعمال ريثما يتم الاتفاق على تشكيل حكومة جديدة، وليس لمثل هذه الحكومة ان تتخذ قرارات مهمة تتعلق بسير المحكمة ولا بالقرار الظني. ويكون الفراغ الحكومي الحاصل لا تأثير له على المحكمة ولا على موعد صدور القرار الظني، بل يكون له تأثير على المرحلة اللاحقة التي قد تخلط الاوراق وتقلب التحالفات، ولا يبقى مع هذا الوضع الجديد مبرر لوجود 8 و14 آذار، وتدخل البلاد وما تبقى من عهد الرئيس سليمان مرحلة جديدة قد تكون مرحلة هدوء واستقرار ثابتين لا تجاذب شديدا فيها ، كما هو حاصل الآن، بحيث يبقى الهدوء والاستقرار في دائرة الخطر الدائم…
الى ذلك، فان فترة التهدئة والهدوء المحكومة بتوافق سعودي – سوري قد تكون فترة حراك ظاهر وخفي لقوى 8 و14 آذار تجعل من يربح معركة المحكمة يربح الحكم…