أتاح المنتدى الاعلامي لـ"تغطية العدالة الدولية" الذي عقد في لاهاي الاسبوع الماضي للوفد الصحافي والاعلامي اللبناني معاينة مقاربة بالغة الاهمية للشق المتعلق بدوره ليس في "تغطية" اعمال المحكمة الخاصة بلبنان كحدث قضائي دولي – لبناني استثنائي فحسب بل ايضا مواكبة هذا "الاستحقاق" المستدام كإعلام وطني معني به مباشرة. وقد وفر المنتدى للمشاركين اللبنانيين "مادة" كثيفة شكلت مزيجا من معايير تقنية صرفة عبر محاضرين خبراء عاملين في شتى غرف المحكمة الخاصة بلبنان ومستشاريها وكذلك في المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة والمحكمة الجنائية الدولية، الى معايير "انسانية" حارة، اذا صح التعبير، عبر شهادات حية لصحافيين وخبراء مروا بهذه التجربة خصوصا في محكمة يوغوسلافيا السابقة. وهي تجربة قالت للوفد اللبناني بوضوح "انكم لستم الاوائل" في العالم و"لستم مختلفين" عما سبق لسواكم ان مرّ به.
ولعل واقع الحال، بالاستناد الى تراكم تجارب المحاكم الدولية، يخفف قليلا وطأة التهيب والخشية لدى المشاركين اللبنانيين حين يقارنون "السيناريو" الافتراضي لمسار المحكمة الخاصة بلبنان بسواها من تلك التي نظرت طويلا ولا تزال تجري محاكماتها حتى الآن في مجازر جماعية او جرائم حرب رهيبة، في حين ان المحكمة الخاصة بلبنان معنية بجريمة ارهابية تتلازم معها جرائم ارهابية اخرى اذا ثبت واقع التلازم بين الاغتيالات التي طاولت الرئيس رفيق الحريري والشهداء الآخرين.
لكن المقارنة لم ولن تكفل للصحافيين اللبنانيين بطبيعة الحال "عامل طمأنة" من ناحية كونهم مواطنين معنيين بتداعيات المحكمة وسائر مراحلها من التحقيقات الى الحكم، وإن كان المعيار "المهني" الصرف بدا هاجس المؤتمر ومنظميه. ذلك ان الخلفية التي تحكمت بعقد المؤتمر تأتي من واقعين اساسيين: الواقع الاول ان تجارب المحاكم السابقة تكشف في بعض جوانبها دورا شديد الخطورة والسلبية للاعلام الدعائي (البروباغندا) في بلدان شهدت مجازر وكان الاعلام تحت السيطرة التامة للسلطات التي حوكمت ليس كسلطات بل كأفراد، لأن المحاكم الدولية لا تحاكم هيئات او دولا بل تعنى حصرا بمحاكمة افراد. فقد استهول جميع الخبراء الاجانب مثلا كيف ان محكمة يوغوسلافيا لم تحاكم رجال اعلام وصحافة واذاعات كانوا جزءا من منظومة القتل الجماعي بـ"البروباغندا" المدمرة.
في الحالة اللبنانية لا مكان طبعا لمثل هذا الامر، وهو ما بدا ماثلا بوضوح في خلفية تنظيم المؤتمر وفي مداولاته ونقاشاته، بدليل طغيان هاجس "تعريف" المشاركين اللبنانيين على سائر المقاربات والتجارب، بالاضافة الى الجانب القانوني القضائي الصرف لمحكمة لبنان كأنها "خريطة الطريق" للتعامل مع استحقاق هو الاول من نوعه يواجهه الاعلام اللبناني.
غير ان العامل الفريد الآخر تمثل في هاجس الوفد اللبناني الذي بدا وحده معنياً بـ"تعريف" الجهات المنظمة للمؤتمر والمشاركين الاجانب فيه على ثقل المهمة التي يلقيها على عاتقه هذا الاستحقاق مهنيا ووطنيا وحتى من النواحي الشخصية. فالصحافي او الاعلامي هنا هو في امتحان شديد القسوة بين معيار الاحتراف المهني الذي يلزمه الموضوعية التامة والدقة في التغطية، ومعيار صعوبة التعامل مع مشاعر او انتساب او خلفية سياسية تتحكم به كمواطن معني بهذه المحكمة، اياً يكن موقفه معها او ضدها، واياً يكن اقتناعه بأنها ستكون الوسيلة المتاحة الوحيدة لتحقيق العدالة او وسيلة للاستهداف السياسي، اي بما يوازي صورة الانقسام السياسي الذي يسود بلاده.
المفارقة في هذا الجانب المهم من المؤتمر انها اثارت التحديات التي تواجهها الصحافة والاعلام من زوايا مشارب "دولية بانورامية" متسعة لكل منها مفاهيمها ومعاييرها التي يشارك اللبنانيون في حيز اساسي منها مسلم به عالمياً على الصعيد المهني الصرف، ولكن للبنانيين في المقابل خصوصية تجربتهم وازمتهم وتحدياتهم التي ربما لا يفهمها، إلا "حامل الجمرة" وحده في هذه الآونة.
وأغلب الظن ان اشكالية كهذه ستواكب الصحافة والاعلام في لبنان وتخضعهما للتحدي الطويل و"المستدام" اسوة بالتحدي الوطني نفسه. لكن الفارق الكبير والبالغ الاهمية هو ان ما يمكن تبريره للسياسة لا يمكن تبريره للاعلام في مسائل جوهرية كالعدالة والانتصار للحقيقة ومراقبة شفافية العدالة وهي التزامات صارمة مبدئية لا قيمة لأي التزام آخر بدونها، وإلا قضى الاعلام على دوره وتحول فعلا اداة بيد السياسة وانحرف عن مهنيته الى "إعلام فرضيات" لا إعلام حقائق مجردة.