بعيداً عن كل أجواء التوتر والتشاؤم، التي يحلو للبعض التلاعب بها، يمكن القول، وبكثير من الثقة، أن الجهود السعودية – السورية ما زالت ممسكة بقواعد التهدئة والاستقرار، وإفساح المجال أمام الأطراف اللبنانية لمعالجة الملفات الخلافية عبر الحوار، سواء على مستوى المؤسسات الدستورية: في مجلس الوزراء أو مجلس النواب، أو عبر اللقاءات الثنائية بعد إعادة فتح قنوات الحوار بين الرئيس سعد الحريري وقيادة <حزب الله>·
ولعل التقدم الذي أحرزته الاتصالات والمساعي العربية وخاصة السعودية مع عواصم القرار الدولي، أثبتت مرّة أخرى أهمية العمل العربي المشترك في التصدّي للأخطار التي تتهدد أي بلد عربي، وفي درء المخاطر التي تحيق بالأمن القومي العربي، على غرار ما كان عليه الوضع في لبنان، والذي وصل إلى حافة الانفجار الداخلي، عشية وصول الملك عبد الله والرئيس الأسد في زيارتهما التاريخية إلى بيروت، والتي أدت الى نشر مظلة أمان عربية فوق المأزق اللبناني، الذي بردت حدته فوراً، الأمر الذي ساعد على إعادة الأمور إلى درب الحكمة، وتغليب منطق العقل والحوار، على كل ما عداه من أساليب التهويل والتهديد·
فكان أن استعاد البلد بعض الهدوء والتوازن، وكان أن تنفّس اللبنانيون الصعداء من جديد بعد فسحة الأمل التي أتاحتها المساعي العربية الطيبة!·
* * *
لقد حاولت أطراف محلية إخراج المساعي العربية عن طريقها الصحيح، وإطلاق بالونات مختلفة الألوان والأهداف، مثل بالون ملف شهود الزور، ولكن هذه المحاولات لم تُفلح في تحقيق أهدافها، وبقي العنوان الأساس للتحرك العربي هو الحفاظ على وحدة اللبنانيين، وحماية الاستقرار في هذا الوطن الذي غالباً ما يجد نفسه واقفاً على حافة الهاوية!·
بدا واضحاً أمام الرياض ودمشق ان مسألة إسقاط المحكمة دونها صعوبات جمّة، وأن مطلب تجاوز القرار الظني ليس واقعياً، ولا منطقياً في المسار الدولي المعتمد، لذلك تركزت الجهود على إبعاد المحكمة عن مختلف ألوان التسييس، وعلى ضرورة التوفيق بين الحرفية والموضوعية والحيادية في أداء لجنة التحقيق مع الأخذ بمعايير الاستقرار اللبناني بعين الاعتبار·
ثمة صمت عربي حول ما حققت الجهود والمساعي لتطويق تداعيات القرار الظني، وبالتالي التخفيف من مضاعفات استمرار المحكمة الخاصة بلبنان، في عملها·
ولكن الإشارات الصادرة عن مصادر مسؤولة في المحكمة تحمل أكثر من دلالة تستحق الوقوف عندها، وهي على سبيل المثال لا الحصر:
أولاً: كلام مصدر مسؤول في المحكمة أمام المنتدى الإعلامي الأوّل في لاهاي حول حصر القرار الظني المتوقع صدوره عن لجنة التحقيق بجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه يوم 14 شباط 2005، وعدم تطرق القرار إلى الاغتيالات والتفجيرات الأخرى· وهذه الخطوة لها مدلولاتها العديدة محلياً وخارجياً·
ثانياً: حصر الاتهامات التي سترد في قرار المدعي العام بأسماء الأشخاص والأفراد، من دون التطرق إلى صفاتهم السياسية أو الطائفية ولا حتى إلى مواقعهم الحزبية·
بمعنى أن القرار الظني سيتفادى توجيه الاتهام إلى دول، أو أحزاب، أو حتى أجهزة أمنية أو استخباراتية·
ثالثاً: احتمال عدم نشر القرار الظني في وسائل الإعلام، والاكتفاء بإبلاغه إلى المتهمين المطلوب مثولهم أمام المحكمة مع توفير كل الضمانات اللازمة لتأمين دفاع عادل عنهم· وكذلك يُصار إلى إبلاغ الشهود الذين قُبلت شهاداتهم بمواعيد حضورهم إلى المحكمة تحت نظام حماية الشهود المعتمد من المحكمة·
رابعاً: عدم الاكتفاء بنتائج التحقيقات في <داتا الاتصالات>، وإن كانت على جانب كبير من الأهمية، والتعامل مع <الداتا> كمعبر للوصول إلى الأدلة الصلبة، على غرار ما حصل في تجارب أخرى للتحقيقات الدولية·
يضاف إلى كل ذلك، ما بدأ يتردد على أكثر من صعيد، من أن المدعي العام الدولي دانيال بيلمار لن يتمكن من إنجاز القرار الظني قبل آذار المقبل على الأقل، وهذا يدحض حملات التهويل التي حددت شهر تشرين موعداً مرجحاً لصدور القرار المنتظر!·
* * *
ونجاح الجهود العربية لم يقتصر على المستويات الدولية، بل كان سبقها إلى الداخل اللبناني، حيث جاءت مبادرة الرئيس الحريري وكلامه عن <شهود الزور> و <محاولات تسييس المحكمة> التي ألحقت الضرر في العلاقات اللبنانية – السورية، لتحقق اختراقاً في الجدار السميك للأزمة، ولكن سوء استغلال المبادرة والتهجم على صاحبها من قبل قيادات 8 آذار، أضاع فرصة تفعيل الخطوة الجريئة للحريري، والعمل على توظيفها لإطلاق ورشة حوار صادق ومسؤول، ولملاقاته في منتصف الطريق، بدل المضي قدماً في حملات التشكيك والتهويل التي أجهضت إحدى أهم ثمار الجهود العربية لإيجاد المخارج المناسبة للمأزق المتفاقم·
ولكن يبدو أن ثمة متضررين من التقدم الذي تحققه الجهود السعودية – السورية المشتركة للحفاظ على المظلة العربية للاستقرار اللبناني·
وإلا ماذا تعني الحملة الإعلامية المفاجئة لضرب علاقات الرئيسين الأسد والحريري؟·
ولماذا هذا التوقيت للحملة العونية المفتعلة والتي طال رذاذها الإنجازات الاقتصادية والاجتماعية والعمرانية التي تحققت في عهد حكومات الرئيس الشهيد رفيق الحريري؟·
* * *
وباختصار···
لقد بدأت المساعي العربية السعودية – السورية تؤتي ثمارها في تعزيز التهدئة والاستقرار في الداخل، وفي تدوير العديد من الزوايا في عواصم القرار الدولي، الأمر الذي راح ينعكس إيجاباً على الحركة السياسية المحلية: عودة الحوار بين الحريري وحزب الله، تجنّب التصويت على ملف شهود الزور في مجلس الوزراء وتأجيل بت الإحالة إلى أسبوعين على الأقل، تراجع حدة الخطاب السياسي، اختفاء لهجة التهديد والتهويل، والاكتفاء ببعض التهجمات على رئيس الحكومة وفريقه والتي تبقى بمجملها أشبه بفقاقيع صابون!·
لا خوف على الأمن والاستقرار·
ولا تخويف من تداعيات القرار الظني·
ولا مصلحة لأحد عربياً وإقليمياً، ولا حتى لبنانياً، في الانزلاق نحو التفجير، والخروج عن القواعد الحالية للعبة في لبنان وفي المنطقة، خاصة بعد التطورات الدراماتيكية التي كشفتها وثائق الحرب الأميركية في العراق، وتداعياتها المحتملة على مسيرة المالكي نحو رئاسة الحكومة العتيدة!·