سمعت، أو ربما قرأت، لم أعد أذكر، قولاً لقيادي في تكتل 14 آذار، منذ أيام عدّة، ونسيته لتزاحم ما يحكى ويقال في الذاكرة وخصوصاً في الفترة الاخيرة التي اصبح الكلام فيها أشبه بالأعاصير الموسمية التي تحمل معها الغث والسمين، اضافة الى الخراب والدمار والبؤس، وفجأة ضجّ هذا القول في ذاكرتي وأنا أقرأ كلاماً للنائب في التيار الوطني الحر، ناجي غاريوس، ويبشّر فيه ما معناه، ان الدينونة قد اقتربت، وان ساعة الحساب قد دقّت، وكأن النائب غاريوس كان يستعيد أو يفسّر ما أعلنه رئيس تكتل التغيير والاصلاح النائب ميشال عون، ان محاسبة العهود السابقة منذ العام 1992 وحتى اليوم، آتية لا محالة لكشف السرقات والتجاوزات وأعمال الهدر في حكومات تلك الفترة، وهو في ما قال كان يصوّب على الحكومات التي ترأسها الشهيد رفيق الحريري، ليسمع هذا القول نجله رئيس الحكومة الحالي سعد الحريري.
القيادي في 14 آذار قال «اذا كان جماعة 8 آذار يتصرّفون اليوم بهذه الطريقة من التهديد والتخويف والاتهام، وهم أقليّة في البرلمان والحكومة، فكيف اذا استلموا الحكم…».
والجواب على هذا السؤال المنطقي والموضوعي والمشروع، ليس صعباً على أي انسان، يتابع يومياً اللهجة والخطاب والتعابير والمفردات التي يستعملها فريق 8 آذار، باستثناء قلّة منهم، لأنه سيكون متأكداً وواثقاً، وفي ذات الوقت متخوّفاً، ان وصول جماعة 8 آذار الى الحكم سيكون كارثة وطنية، لم يعرف لبنان مثيلاً لها، الا في أبشع فترات الحكم العثماني، وان النظام الذي سيحكم استلامهم الحكم سيكون النظام الدكتاتوري التسلّطي الظلامي، المغلّف بمرآة خادعة من الديموقراطية المقنّعة، والمؤتمرات الصحافية التي يعقدها بعض قياديي هذا التكتل، والخطب التي تلقى، والتصريحات التي تطلق، برهان ساطع على ما ينتظر اللبنانيين، وما ينتظرهم يختصر بكلمات: امشوا بالصف أو امشوا من هذا البلد، أمّا الخيار الثالث ففي عهدة القمع والسجون.
هل يعقل أن سياسياً، تسلّم في زمن السنوات العجاف منصباً مهمّاً في الدولة، يهدّد بالفم الملآن «ان كل من يدعم المحكمة الدولية من اجل لبنان سيدفع الثمن». ونحن نعرف أن مروحة الأثمان مفتوحة على جميع الاحتمالات، من ضربة كفّ الى التعليق على اعواد المشانق. أو ان يقف آخر، يرسم على وجهه ضحكة صفراوية، لينصح جماعة 14 آذار بألاّ ينسوا 7 أيار، لأن ما حدث في ذلك اليوم ليس بشيء أمام ما سوف يحدث اذا وقعت الواقعة، أو ان يتم التذكير بأن قوى 8 آذار قادرة في أي وقت على قلب الحكم واستلامه، ولكنها تعف عن ذلك كرماً منها.
ألا تعطي جميع هذه المواقف، وهذه النيّات المكشوفة، نموذجاً عمّا يمكن أن يحصل في ما لو قيّض لهؤلاء الناس أن يحكموا لبنان، بعيداً عن الشراكة والثلث «الضامن» والعيش المشترك، واحترام الآخر، لأن كل هذه الشعارات ستصبح فولكلوراً من «العهد البائد» لا مكان لها في أبجدية العهد الجديد.
قد تكون قوى 14 آذار قد ارتكبت أخطاء تكتية منذ العام 2005 الى يومنا هذا، وقد يكون سبب ارتكابها هذه الأخطاء الضغوطات الهائلة التي تعرّضت لها من داخل لبنان وخارجه، فاضطرّت في مناسبات عدّة الى التراجع والتنازل، محافظة منها على الناس وعلى السلم الأهلي، ولكن ما يشرّف هذه القوى، أنها في أيام عزّها لم تلجأ لا للقوة ولا للسلاح ولا للسلطة لتقمع معارضيها، واستمرت الحريات والديموقراطية في وضع مقبول الى حدّ كبير، وكانت تلجأ دائماً الى الشعب، في الانتخابات العامة، وفي النقابات والجامعات للوصول الى مراكز المسؤولية، وليس للقوة والسلاح وعرض العضلات، وكـانت تحاول، بقدر ما تسمح لها الظروف، أن تمحو ما تسبّــبه أعمال العنف والاعتصامات والاضرابات المسلّحة، وكان وما زال همّها الأول والأخير، بناء الدولة والمؤسسات، والاعتماد على الجيش وقوى الأمن، والاصرار على معرفة من قتل هذه المجموعة المميّزة من رجالات الوطن، الذين قدّمتهم انتفاضة 14 آذار على مذبح السيادة والحرية والاستقلال والوحدة الوطنية.
أكثر مما قدّمت، لم يعد بامكان حركة 14 آذار أن تقدم، وأكثر مما قدّم وتنازل، لم يعد باستطاعة رئيس الحكومة سعد الحريري أن يقدّم ويتنازل، والتنازلات التي تطلب منه اليوم، بالنسبة الى القرار الاتهامي، والمحكمة الدولية، والعلاقات مع سوريا، ستؤدي في حال قبلها الحريري، الى نهاية حياته السياسية، وربما الى نهاية لبنان، كما هو اليوم، ويتحوّل الى لبنان آخر يصبح العيش فيه بحرية وكرامة مستحيلاً، فتدقّ عندها أجراس الهجرة الكبيرة مجدداً، ليفرغ لبنان من أدمغة شبابه وسواعدهم، واذا كان هذا هو المطلوب، فعلى اللبنانيين أن يجروا منذ اليوم حساباتهم حتى لا يفاجأوا غداً بما هو أعظم، لأنني سمعت منذ يومين من يقول «إن الآتي أعظم».