أياً تكن الاعتبارات التي دفعت وتدفع السياديين والاستقلاليين اللبنانيين الى خفض الصوت الذي رفعوه دفاعاً عن منطقهم ووجودهم السياسي والثقافي سابقاً، فإن شيئاً بعد الآن لا يُبرّر الاستمرار في اعتماد تلك السياسة العرجاء التي لا تستقيم مشيتها إلا في المناسبات الفظّة!
"الاضطرار" للرد والتوضيح حيال هذه النقطة أو تلك وفي هذا المقام أو ذاك، أو حيال كلام يُقال من دون حساب لأحد، ليس منهجاً يوصل الى ما تريده 14 آذار، أي الى إعلاء سلطة الدولة ومشروعها، وتأكيد الالتزام بالاستقرار الوطني العام، وبسقف الموقفين الرسمي اللبناني والعربي في شأن النزاع (أو التسوية) مع إسرائيل، والتمسك بالعدالة وآلياتها في المحكمة الدولية.. ثم تأكيد التطلّع الى مقاربة المشاكل المحلية المتراكمة في كل شأن حياتي وإنمائي واقتصادي يهم اللبنانيين وليس جزءاً منهم.
ميزان دقيق يحكم المنطق السياسي. وأي "طبشة" في إحدى كفتيه تجعله يختلّ ويديم الاختلال. وذاك المنطق يقول أن الاستقرار لا يقوم بين قوي وضعيف أو مستقوٍ ومستضعف. كما لا يقوم على سيبة مرفوعة على عمودين واحدٌ من خشب والثاني من فولاذ مصفّح. المنطق واحد وإن بان الشطط التعبيري هنا. وإعمال بسيط للعقل يُوصل الى المكان ذاته: السياسة لعبة تُعنى بالبشر، لكن حساباتها توازي النظام الهندسي الذي يُعنى بالآلة والمادة الصمّاء، كما توازي (مع بعض المبالغة) تركيبات علم الحساب والفيزياء. ومخطئ جسور أو غافل مُغتر من يفترض أن البدايات الخاطئة توصل الى نهايات صحيحة!
ونستعير من الإطار المحيط ما هو قائم. حيث التسوية المرغوبة عربياً مرفوضة إسرائيلياً. والبداية في هذا المقام تقول إن الموقف الإسرائيلي "طبيعي" باعتبار أن لا توازن يُعتد به مع الذين يقفون أمامه ولا بدائل مرئية بين أيديهم، ولا داعي تبعاً لذلك لتقديم أو قبول أي عروض تسووية تغيّر شيئاً جوهرياً في الوقائع القائمة.
في اللحظة التي يبدأ الإسرائيلي يشعر بثقل المواقف العربية و"خطورتها" الأكيدة، والكلفة الباهظة للاستمرار في منطق النزاع والصراع والحروب ومشتقاتها، تحضر مقوّمات التسوية عنده شاء أم أبى.. الفكر انعكاس لواقع مادي (على ما يقول الماركسيون) لكن التسوية أيضاً هي انعكاس لميزان القوى، طالما اعتدل ذلك الميزان ولم يختلّ. ولذلك كانت وستبقى تلك التسوية عزيزة على طلابها ومرذولة من رافضيها.
لا يُقاس الكلام هنا بالمسطرة، وإنما بالاستعارة فقط. ولا نستعير التشبيه إلا لتأكيد الفكرة وليس لدمغ الآخرين بما لا يليق. مع العلم أن الأخوة والرفاق في قوى الممانعة لا يتورعون منذ سنوات خمس عن رصف كلام أكبر من وقائع الدنيا والزمان ولبنان وأهله يُوصم 14 آذار باتهامات مبتذلة وممجوجة وآتية من "تراث" ضجيج خطابي لم يتوقف منذ قيام إسرائيل الى اليوم من دون أن يوصل الى أي نتيجة!
ليس المطلوب توازن رعب مع قوى 8 آذار بالحديد والفولاذ المقوّى. ذلك ينفي 14 آذار ويُبطل قضيتها من أساساتها. كما ليس المطلوب التدحرج في الخطاب السياسي الى متاهات حساسة ودقيقة سياسياً وطائفياً ومذهبياً وإقليمياً، بل المطلوب (إذا صح الافتراض المتواضع في فعل الطلب) البقاء على البديهيات واليقينيات، وإعادة شدّ البراغي المتراخية في الماكينة العملية التنظيمية والإعلامية والسياسية والخدماتية، وحمل المسطرة من وسطها مثلما يفعل سعد الحريري تماماً: التزام حديدي لا يصدأ بالسلم الأهلي والاستقرار الوطني وبهموم الناس أينما كانوا وبمشروع الدولة في الإجمال، وبمستلزمات الهمّ القومي العربي الجامع والعام، وفي الوقت نفسه الإقامة في مربّع الحقيقة والعدالة الى أن يقضي الله أمراً كان مفعولا.
14 آذار هي وليدة حراك ديموقراطي خاص واستثنائي ومفصّل على قياس نظام لبنان وأحواله وطوائفه وجغرافيته وكينونته.. وعندما تنتهي تلك المعطيات الكبيرات تنتهي 14 آذار، ولا يهمّ بعد ذلك إن كان الغلاف كرتونياً أم فولاذياً.. عدا عن أنها بالمناسبة (وبدونها) هي باقية ولن تنتهي.