مهما يكن التطور الحاصل في العلاقة اللبنانية – السورية إلا ان المؤشرات تشي بأن بواطن الامور ليست كظاهرها. ولعل المقابلة الصحافية الاخيرة لرئيس الوزراء السوري، محمد ناجي عطري، شاهد حي على ذلك.
بعيدا عن الكرتون والنرجيلة وغيرها من المفردات والعبارات التي استعملها عطري يبقى الاساس في النهج والمبدأ، الذي يتضح محطة بعد أخرى ان سوريا لم تغيرهما في تعاطيها مع لبنان، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على ان دمشق لا تنظر الى الكيان اللبناني على أنه قائم بذاته، وهي في العمق لم تتقبل فكرة "انسلاخ" هذا الجزء عنها ليكون مستقلا فعليا.
بهذا المعنى يمكن النظر الى هذا التعاطي السوري من زاوية مقارنة بين الروحية التي يؤثر رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري ان يعتمدها واسلوب المسؤولين السوريين في المقابل.
الحريري قدم من رصيده الشعبي عندما ارتضى فتح صفحة جديدة مع سوريا متعاليا على جرحه الشخصي العميق باغتيال والده، وضغط على من حوله لاقناعهم بأن هذا المسار فيه مصلحة وطنية لا يمكن رفضها، متمسكا بمدرسة والده الشهيد في التعاطي الذي ما كان ليفضل مصلحة خاصة على المكسب الوطني.
وقد لمس الحريري الابن الغضب الشعبي في الانتخابات البلدية، وهو كلما سعى لاعادة الروح الى شارعه كان يصطدم بحقيقة الامتعاض الشعبي من فتح باب المصالحة مع سوريا. ولا حاجة للتذكير بتصريح الرئيس الحريري لـ"الشرق الاوسط" الذي أشعل نار "شهود الزور" في الداخل اللبناني وأراح السوريين منها، ورئيس الحكومة اللبناني كان يعلم ذلك وارتضاه ليثبت انه راغب في علاقة متكافئة وشفافة مع دمشق.
من المقلب الآخر جاء الرد على كل مبادرات حسن النية التي قدمها الحريري عبر مذكرات التوقيف التي طالت الشخصيات الاعلامية والقضائية والامنية المقربة منه، ليأتي البرهان الثاني عبر حديث عطري مستهدفا الحلف الذي يشكل الحريري وتياره العمود الفقري له.
ومع كل الايمان بأن القضاء السوري لا يتحرك الا لخدمة النظام ولحمايته ويأتمر بأمره، فإن كلام عطري يأتي ليؤكد ان النظام السوري ليس راغبا في العلاقة مع لبنان، الذي تشكل "14 آذار" نصف حكومته واكثر من نصف شعبه وتتمثل بأكثرية النواب في مجلس نوابه.
ما المطلوب بعد كل ما قدمه اللبنانيون؟ التحليل ليس مجهدا. فالضغط المتواصل على رئيس الحكومة باستهدافه مباشرة او من خلال حلفائه، والترويج لانفراط عقد الحكومة، إنما يهدف الى استعادة السيطرة على لبنان من خلال وضع الرئيس الحريري تحت العباءة السورية بالكامل، وعودة الحكم السوري الى لبنان لكن من دمشق هذه المرة بدلا من عنجر، وعبر سعد الحريري بدلا من عمر كرامي.
على اي حال، اعتاد اللبنانيون على ممارسات النظام السوري، فالمتحدثون باسم سوريا لا يملكون من أمرهم شيئا مهما كبر موقعهم داخل النظام لأن الذين يسيرونه لا يتعدى عددهم اصابع اليد الواحدة، ومن المؤكد ان عطري ليس واحدا منهم وهو ضمن تركيبة النظام لا يتجاوز كونه ورقة يحركها النظام الامني المخابراتي على صيغة "قصقص ورق ساويهن ناس".
