#adsense

أبعد من “الشهود”

حجم الخط

ثمة ما يشبه الاجماع على أن العاصفة السياسيَّة التي يتخبَّط لبنان في تقلّباتها منذ سنين لا تسرُّ حتى ألد الخصوم والأعداء.
بل هي مؤسفة للغاية. ومضحكة للغاية. ومبكية للغاية. ومأسويَّة للغاية.

وأذا ما أنعم النظر في العناوين والمواضيع والحجج التي "تناوبت" على هذه العاصفة ندرك للحال أنَّ المطلوب هو غير المعلن. وأنَّ الهدف الحقيقي والوحيد هو المحكمة الخاصة بلبنان لا "شهود الزور"، والوضع السياسي برمَّته، وبكل ما نشأ من متغيٍّرات على ارض الواقع بعد 14 آذار 2005.

واضحُ للعيَّان، وحتى للأعشى وللصمّ والبُكم معاً أن أبعاد هذه المعمعة الحَلَمنتيشيَّة تتجاوز الاختراع الأخير الذي يُسمى "شهود الزور" الى "الحالة السياسيَّة" بكل ما أفرزته أحداث ما بعد زلزال السان جورج.

قد لا تنزل الحامولة الجديدة، أو حامولة "شهود الزور" الى الارض، وتتغلغل في الزواريب والأحياء، إلا أنها لن تقف عند هذا الاقتراح الموضوعي و"القانوني" أو ذاك.
حتى لو قيل نعم وعلى الرأس فوق العين لما تطلبون، وتبغون في خصوص الشهود، فان أبواباً أخرى منبثقة من هذا الملف أو متممّة له، ستنفتح وتُشرَّع على مصاريعها لتكمل المهمة، بلوغاً للأهداف السياسيَّة غير المعلنة بوضوح.

لقد تحوَّلت القضيّة الاساسيَّة في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ومسلسل الشهداء من خانة البحث عن المسؤولين والمرتكبين والمشتركين وتقديمهم الى المحكمة الخاصة بلبنان، الى الغرق في لجة جدال حول ملهاة "شهود الزور" أين منه الجدل البيزنطي حول جنس الملائكة.

لم يحصل في تاريخ القضاء اللبناني والدولي، بل منذ كان القانون والقضاء والمحاكم، أن تصبح الجريمة الأساسيَّة والملف الأساسي ثانويين، وتقريباً خارج الاهتمام والمتابعة، لتنتقل العناية الجماعيَّة للمجتمع اللبناني وللمجتمع الدولي الى ملف ثانوي جداً يدعى "شهود الزور".

المعنيّون الأساسيّون بالقضيَّة وما يدور في فلكها لم يرفضوا هذا الملف، ولم يقولوا "لا"، إنما أحالوا الملف برمته على وزير العدل الذي لا تزال مطالعته موضع أعجاب وتقدير لدى كل المراجع القانونية والحقوقيَّة والقضائيَّة.

ولأنَّ المسألة ليست مسألة رمانة، فأن جماعة عنزة ولو طارت تمسَّكوا بالمجلس العدلي لتعطيل أي مخرج، ولقطع الطريق على أي حلّ، ولابقاء طبخة الأزمة السيَّاسيَّة فوق نار حامية، لتشكّل حجة أو ذريعة لخطوات يعدّون العدَّة لها، ويهيئون الأجواء الملائمة لـ"نجاحها".

هذا لا يعني ان المحكمة الخاصة بلبنان قد سحبت من التداول، "تجاوبا" مع موقف الامم المتحدة والمراجع الدولية المعنيَّة، بقدر ما يعني ان مخطَّط التأزيم والتعطيل مستمر الى أن يؤتى ثماره. وثماره متعدٍّدة ومتشعٍّبة.
أما مشوار الضحك على الذقون والعقول، فلا يزال في بداياته.

المصدر:
النهار

خبر عاجل