#adsense

المؤامرة والقضية

حجم الخط

ماذا لو أصدرت المحكمة الدولية قرارها الاتهامي غدا"؟ وكيف يكون المشهد اللبناني السياسي عندها؟
ما ينشر وينقل عن عمل المحكمة الدولية، ومنه ان الاتهام سيطول افراداّ لا كيانات (دول وأحزاب)، يجعل التساؤل الأول عند مستعجلي الاطلاع على القرار عند صدوره هو عن ضمه (أو عدم ضمه) أسماء عناصر "حزب الله" في لائحة المتهمين، ثم السؤال عن أدوارهم في عملية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري.

لن يترافق ذلك مع اندهاش أو استهجان، سواء من جهة مؤيدي الحزب او من جهة خصومه. فما فعله أمينه العام، تحديداً منذ مسلسل ظهوره التلفزيوني، هو تمرين اللبنانيين، وغيرهم، عرباً ومسلمين، على تقبّل تورّط عناصر من جماعته، أو زعم تورّطهم، في عملية الإغتيال الى حدّ فرض البلادة على ردود الفعل المرتقبة.

ذلك ما أراده الأمين العام يوم أكد أنه يخوض معركة لكسب الرأي العام، مستبعداً السجال القانوني والقضائي المفترض مع الادعاء العام وفق الوقائع والأسانيد التي ستعلل بها المحكمة القرار الاتهامي.

ولكسب الرأي العام، كان لا بدّ من اسناد اتهام اسرائيل، وهو امر يفترض ألا تستبعده التحقيقات، الى ما يشبه اشارات جدية الى دورها في الاغتيال، فكان ما يسمى "قرائن نصرالله" التي ردّت عليها المحكمة بطلب استكمالها الذي لم يرد، على الأقل في الاعلام، مما يؤشّر الى عدم مبادرة "حزب الله" للقيام به.

أمران نجح الحزب في تحقيقهما لدى جمهوره تحديداً. أولهما تثبيت الشك في صدقية المحكمة الدولية عن طريق تكرار القول بأنها أداة اسرائيلية – أميركية، وثانيهما ترك ادانة اسرائيل معلّقة على قرائن أوحى أنه يملكها ولم يستكمل تقديمها الى القضاء اللبناني ولا الى القضاء الدولي.

يُضاف الى المشهد وصول سعيه لاسقاط المحكمة الدولية الى طريق مسدودة، بشهادة إجماع أعضاء مجلس الأمن الدولي على تأييد المحكمة وعملها، ولا سيما منهم روسيا الاتحادية والصين، وتركيا العضو غير الدائم.

هي الطريق المسدودة نفسها التي سيصل إليها سعيه في ما يسمى ملف شهود الزور، سواء أحيل على المجلس العدلي أو القضاء العادي. ولا شك في أن خبراءه القانونيين يعرفون ذلك، لكن استكمال جذب الرأي العام يقتضي الإكثار من رسم ملامح الضحية المستهدفة.

بعد محاولات تتفيه المحكمة الدولية وتسفيه الاتهام – الذي يلتقي اللبنانيون الى أي يوم من أي آذار انتموا على رفض رميه على "حزب الله" – انتقل جذب الرأي العام الى مرحلة أخرى هي استهداف الرئيس الشهيد بذاته ودوره، وتهشيم ذكراه وتشويه إنجازاته.

بدأ ذلك قبيل منتصف أيلول الفائت يوم تعمّد المدير العام للأمن العام السابق – العائد يومها من دمشق – مطالبة الرئيس سعد الحريري بنقل ضريح والده الشهيد من ساحة الحرية وسط بيروت لأنها "أرض مغتصبة من مواطنين لبنانيين بواسطة سوليدير، ولا يجوز أن تدفن والدك في ارض مغتصبة". لا يغفل هذا الكلام أن ولادة شركة "سوليدير" ومشروع إعادة إعمار وسط مدينة بيروت ارتبطا بالرئيس الشهيد، والقول بأن أراضيها مغتصبة ينطوي على تجريح مباشر بشخصه.

كان يمكن هذا القول أن يؤخذ بما يناسب حجم قائله، ويجرد – بسذاجة ربما – من مقاصد أبعد من انفعال مطلقه، لكن منهجية وئيدة انطلقت بعده تؤشر الى خطوة مقبلة توسّع الحرب على المحكمة الدولية الى حرب على الرئيس الشهيد، كأحاديث الأقلية السياسية عن الفساد والانفاق وقطع الحسابات العامة منذ 1993 وشنّ الحملات على الهيئة العليا للاغاثة التي كانت آخر مهماتها تعويض المتضررين من استخدام سلاح المقاومة في برج أبي حيدر خلال اشتباك بين "الاخوة الحلفاء". يضاف الى ذلك حملة افواه التيار العوني على ما تسميه "المدرسة الحريرية" وما يرافق ذلك من ابتذال سياسي يجافي أخلاقيات اللبنانيين ولا سيما في الحقل العام.

من مؤشرات هذه المعركة المفتعلة ضد دماء الرئيس الشهيد أن وسائل إعلام الحزب وحلفائه اتفقت، عند استقبال الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، على تسمية مطار الرئيس رفيق الحريري الدولي باسم مطار بيروت الدولي، في موقف صارم استدعى إعتذار أحد المذيعين عندما "أخطأ" في التزام تعليمات إدارته.
إنه استكمال للمشهد الذي يريد الحزب أن يرتسم في وجه جمهوره عند إعلان القرار الإتهامي إذا ما لبى توقعاته: المحكمة مسيّسة لا تأخذ بقرائنه لادانة اسرائيل والقضاء اللبناني والأغلبية السياسية تتجاهل "شهود الزور". أما في وجه الجمهور المواجه فصاحب الدماء التي وحدت اللبنانيين لم يترك أي إنجاز بل سلبيات.

في الجانب الأول من المشهد قيد الرسم: جمهور هو ضحية مؤامرة، وفي الجانب الثاني جمهور بلا قضية.
هذا ما يريد رسمه الساعون الى "كسب الرأي العام" لا الحقيقة، وهذا ما يعطي الزخم الفعلي لاستعداد النائبة بهية الحريري لأن تحاكم باسم رفيق الحريري.

المصدر:
النهار

خبر عاجل