#adsense

سورية.. والبلد “المنقسم” والقرار الظني!

حجم الخط

انشغل اللبنانيّون بالأمس بتفاصيل بعض حديث رئيس الجمهورية السوريّة إلى جريدة "الحياة" في الشقّ المتعلّق منه بلبنان، خصوصاً وأنّهم لم يكادوا يتجاوزون بعد حديثاً آخر لرئيس الحكومة السوريّة محمد ناجي العطري، وهجومه المباغت على نصف الشعب اللبناني، وتدخّله في الشأن السياسي اللبناني، وما بين الحديثين السؤال الذي سيبدأ منه أي متابع إلى من تبعث هذه الرسائل؟

انتقدت الدولة السوريّة سياسة الإملاءات الأميركيّة عليها طوال السنوات الماضية، فيما مارست هي نفسها أسلوب الإملاءات هذا في التعاطي مع لبنان، وغالباً لم يتردد وزير الخارجيّة السوري وليد المعلّم باعتبار لبنان دولة "ثانوية"، فيما الحقيقة أن لبنان هذا الوطن الصغير هو الوحيد المختلف بين أوطان هذا الشرق الأوسط المملّ؟

ومنذ المؤتمر الصحافي الشهير لجميل السيّد أمعن حلفاء سورية تنكيلاً بالرئيس سعد الحريري، بدءاً من التهديد بالقتل مروراً بالتهديد والوعيد بالفتنة المذهبيّة وبـ 700 أيار وبالانقلاب على الدولة، ووصل الأمر بأتفههم أن يتحدّى الرئيس الحريري بأن يستقيل، وبعد حديث العطري "الكرتوني"، جاء حديث الرئيس بشار الأسد ليلتقط اللحظة معلناً أن: "رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري هو الشخص المناسب جداً لهذه المرحلة الصعبة، إذ أنه الوحيد القادر على تجاوز الوضع الحالي في لبنان"!!

وحتى "ما يتّاخد" كثيرون بهذه الشهادة الرئاسيّة – الكيميائيّة التي وإن تمنّى اللبنانيّون من كلّ قلوبهم أن تكون حقيقيّة، إلا أنّ سياق الحديث ومجراه ليس كذلك على الإطلاق… فالرئيس السوري أعلن مباشرة بعد حملات حلفائه أن بقاء سعد الحريري رئيساً للحكومة هو "إرادة سورية"!! إنّها نفس السياسة القديمة التي يئس اللبنانيّون من أن تتغيّر، وما زال يحزّ في قلوب اللبنانيين ذاك التصريح المؤلم الذي أعلن فيه الرئيس الشهيد رفيق الحريري أنه رئيس للحكومة لأن سورية تريد ذلك، وذاك التصريح الشديد قبيل التمديد لصحيفة "الشرق الأوسط"، "يستطيعون أن يفرضوا عليّ التمديد، ولكن لا يستطيعون إجباري على أن أكون رئيساً للحكومة"…

ما الذي تغيّر، منذ ذانيك التصريحين؟ عملياً لا شيء، فالعقليّة هي نفسها!! تصرّ الدولة السورية على تقديم نفسها قيّمة على لبنان وسياسته حتى اختيار رئيس حكومته، فهل نستطيع أن نفهم مقالة الرئيس السوري في حديثه أنّ: "القوى اللبنانية التي التقاها في الأسابيع الماضية لم تطرح موضوع تغيير الحكومة"!! لماذا يُطرح موضوع تغيير حكومة في لبنان مع الرئيس السوري؟!

ويفقد تأكيد الرئيس بشار الأسد معناه عندما يحاول أن يقنعنا أن: "العلاقات بين الدول تبنى عبر المؤسسات، وبالتالي فإن العلاقة مع الحريري تسير بشكل جيّد وسقفها هو العلاقة اللبنانية – السورية"، كيف تكون العلاقة من دولة إلى دولة وسورية تستقبل "قوى لبنانيّة" لم تطرح معها مسألة تغيير الحكومة في لبنان؟.. عملياً؛ لو استطاعوا "ما قصّروا"، وسعد الحريري على رأس الحكومة اللبنانيّة بنتائج الانتخابات اللبنانيّة، لا لأن مجموعة "فقاقيع" لا وزن سياسي ولا انتخابي لها لم تطرح من سورية مسألة تغييره!!

وكررت سورية منذ العام 2005 أن المحكمة الدوليّة شأن لبناني بحت، وإن كان هناك متورطين سوريين ستجري محاكمتهم بتهمة الخيانة العظمى، وبعدما "أنعم" "حزب الله" على اللبنانيين بالترهيب والتهديد والدعوة إلى "الذّعر"، وباءت كل محاولاته بالفشل، وبعدما دخلت سورية على خط المحكمة الدوليّة من بوابة الرسائل إلى الأمم المتحدة، ومن بوابة المذكرات الـ33 التي أصدرها القضاء السوري ليحاكم فريق الرئيس سعد الحريري وقيادات لبنان الأمنيّة والقضائية، لم يُفاجئنا أن يتناول الرئيس السوري الحديث عن المحكمة الدوليّة إنما بصيغة مختلفة…

"يتم الحديث عن القرار الظني في لبنان وكأنه قرار سيصدر في جريمة عادية، في حين أنه حين يتعلق القرار بجريمة وطنية وفي بلد منقسم طائفياً سيسبب الخراب والدمار للجميع ويمكن أن يدمر بلداً"، هذه المرّة يأتي التهديد بتدمير البلد وخرابه من الناحية السورية باعتبار أنّه "رأي"، أما التوصيف الذي تطمح سورية أن يبقى ملازماً لحديثها عن لبنان فهو: "بلد منقسم طائفياً"!!

وكان أمين عام "حزب الله" قد اجتهد منذ اعتصام الخيم الشهير على التأكيد أن الانقسام في لبنان "سياسي" وليس طائفي، واجتهد في التلطي وراء حلفائه من ميشال عون إلى سليمان فرنجية إلى فتحي يكن إلى طلال أرسلان ليمنح المشهد صبغة وطنية لا طائفيّة.. لبنان لم يعد منقسماً طائفياً، بل توحّد طائفياً في 14 آذار العام 2005، وحدة حقيقيّة بين قوى 14 آذار ولدت من رحم الشعب اللبناني، والذين اختاروا أن يكونوا ضد هذه الوحدة منذ 8 آذار ما زالوا هم أنفسهم، فاستعانوا بوحدة "تلزيق" يحتاجها "حزب الله" ليبعد عنه شبهة الانقلاب "المذهبي الإيراني" عن حراكه ضدّ الدولة ومؤسساتها…

في "جريمة وطنيّة" بل "جرائم" على هذا المستوى عدم الوصول إلى الحقيقة مع الشكوك الكبيرة التي ازدادت حول حزب من لون معيّن، هو الذي يعني الخراب والانقسام والفتنة، ولكن لو كان للفتنة المذهبيّة أن تفتك بلبنان لفتكت به يوم نكّلت ميليشيات الشوارع ببيروت أواخر شباط عام 1987 لتتيح للجيش السوري العودة إلى شوارع بيروت، وفريق من اللبنانيين اليوم أعزل، وفريق حلفاء سورية يملك السلاح، وثمة طرف واحد قادر على التخريب والتدمير، والفتن والحروب تحتاج إلى طرفين، والفتنة وإن أبدت رؤوسها من الشقوق، فهي بالتأكيد لن تسفر أبداً هذه المرة عن عودة الجيش السوري إلى لبنان.. لم يعد الزمان يشبه ذاك الزمان…

أمر واحد نستفيده من تصريحات القيادات المسؤولة في سورية، أن العقليّة في التعاطي مع لبنان لم تتغيّر، وأن سورية مصرّة على تقديم نفسها بمظهر القيّم على إسقاط حكومة وتشكيل حكومة في لبنان، وتهدد بالتدمير والخراب لأن القتلة في لبنان يجب أن يظلوا مجهولي الهويّة!! وبعدها علينا أن نصدّق أن العلاقة أصبحت من دولة إلى دولة… هذا "الموّال" يفهمه ويحفظه اللبنانيّون عن ظهر قلب وقد جرّبوه تكراراً، بقي أن يفهمه بعض العرب والغرب الذين لم يفقدوا الأمل في دفع سورية إلى تصديق أن لبنان دولة مستقلة، وأنه وطن سيّد حرّ ومستقل…

المصدر:
الشرق

خبر عاجل