لا تبدو" الساحة الداخلية مهيأة لاي حل ايجابي في الوقت الحاضر، بقدر ما تجمع تصرفات واقوال المعنيين بالازمة على اقتراب البلد من متاهة الفوضى مع كل ما تعنيه من سلبيات سياسية وامنية، قياسا على عدم توافر رغبة ولو ضئيلة من اي جانب تكفل الوصول الى تفاهم الحد الادنى!
وبالنسبة الى المواقف المتعارضة حتى الاستفزاز والتصادم، هناك من يرى ان حزب الله قد تلبس جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وغيره من السياسيين، لمجرد انه يصر على تخطي المحكمة الدولية بوسائل رفض لا سابق لها، على رغم كل ما قيل له ويقال عن ان مجرد القبول بالمحكمة الدولية لا يعني ان الحزب متهم عن سابق اصرار واستعداد، لاسيما ان حزب الله مقتنع ايضا بأن ثمة لعبة دولية تستهدفه وصولا الى النيل من المقاومة. وهذا التوصيف قد يكون في محل توقعه، في حال لم يؤخذ في الاعتبار كيف قبل الحزب بداية بالمحكمة خلال جلسات الحوار وكيف عاد وتنصل منها جملة وتفصيلا، قناعة منه ربما بأن السيناريو الدولي يهدف الى تحميله وزر ما حصل في 14 شباط من العام 2005 (…) وهو عندما يطلب البراءة لنفسه فإن وسائل دفاعه التي يستخدمها لا تزال غير مقنعة في حدها الادنى؟!
امام هذا المشهد السياسي – القانوني من الصعب على اي كان معرفة ماذا سيحصل اليوم قبل الغد (…) وغدا قبل بعده، خصوصا ان ما يقال عن المساعي العربية غير مشجع في المطلق، فضلا عن ان "مسرحية سين – سين" التي بشرنا بها مراراً وتكراراً الرئيس نبيه بري لم تثبت جدواها ولا هي ادت الى لجم التشنج، اضافة الى ان ما صدر عن رئيس الحكومة السورية قد دل بوضوح على ان النظرة السورية الى اوضاعنا الداخلية هي بمستوى نظرة حزب الله وحلفائه، بل اسوأ في بعض التعابير التي وصف فيها الرئيس العطري قوى 14 اذار بالتجمع الكرتوني، مع علمه وقناعته ان هذا الكلام سيلقى رداً يمكن ان يعيد العلاقة المشتركة بين البلدين الى نقطة الصفر!
يقول متتبعو التطورات ان المأخذ السوري على رئيس مجلس الوزراء زعيم الاكثرية النيابية سعد الحريري بعدما عرف كيف يمد يده الى الرئيس بشار الاسد، فهو لم يعرف كيف يجعل من حلفائه في خط متواز معه ازاء العلاقة مع دمشق فيما هناك من يرى ان حزب الله قد عرف كيفية تطويع رقبة حليفه ميشال عون عندما جعله على اهبة الاستعداد لان يتناسى سوابقه ومعه منظومة تكتل التغيير والاصلاح والتيار الوطني، لاسيما ان ما حققه عون قد وضعه في مواجهة مباشرة مع مرجعيته الروحية (بكركي) ومع الاقطاب السياسيين المسيحيين حتى ولو اقتضى الامر النزول الى الشارع وابداء الاستعداد للخوض في مشروع انقلابي يمزق الجيش كما حصل في ايام وضع يده على قصر بعبدا؟!
اما وقد اطلق الرئيس العطري رصاصة الرحمة على امكان تحسن علاقة سورية بقوى 14 اذار، هناك من يرى ان القصد السوري في نهاية المطاف غير بعيد عن تذكير الرئيس الحريري بإنه مطالب بأكثر مما قدمه في زيارتيه السابقتين الى دمشق (…) مع كل ما يعنيه ذلك من تذكير بأن حزب الله في غير وارد ان "يقعد عاقلا" في حال لم يساويه الحريري وقوى 14 اذار بتبرئة الجانب السوري، من دون حاجة الى التوقف عند الاتهام القائل ان "الاميركيين وقوى الغرب واسرائيل لا يهمهم من المحكمة الدولية سوى النيل من سمعة حزب الله وبالتالي اظهار المقاومة خارج اطار ما يخص مشروع تحرير لبنان"، بما في ذلك السير قدماً بالمشروع الايراني الذي لم يقصر الرئيس محمود احمدي نجاد في شرحه خلال زيارته الى لبنان!
من حيث المبدأ، لم تقصر قوى 14 اذار في تكريس الخصومة مع حزب الله ومع كل ما له علاقة بالمحكمة الدولية. ومن حيث المبدأ ايضا فإن الكلام على "الجماعة الكرتونية" سيجد في نظرة العطري مجالا اوسع للرد ولابداء التصادم من غير انتظار لومة لائم، مع العلم ان المقصود في النهاية قد يزيد الارباك على الساحة الداخلية، طالما ان الهدف مرتبط بحزب الله وبحلفاء الحزب، قياسا على ما يقال وعلى مظاهر التحدي التي باتت بمثابة الخبز السياسي اليومي لقوى المعارضة!
وتجدر الاشارة هنا الى دور محتمل للنائب ميشال عون في زرع بذور التباين بين الرئيس الحريري والقيادة السورية، حيث يقال في هذا السياق ان عون لم يتبلغ الى الان الثمن الذي يساوي خروجه على وطنيته وعلى طائفته، فضلا عن ان ما يثيره عون ونواب من زوابع انتقادية لمسيرة السلطة لم تعد توفر الرئاسة الاولى ورئيس الحكومة بذريعة عدم تقبل فكرة رصد حسابات وزارة المال من دون ان يتوقف عون وحلفاؤه عند استعداده للاخذ بوجهة نظره شرط تشكيل لجنة تحقيق نيابية تعيد البحث في كشف الحسابات المالية لايام وجود رئيس التيار الوطني على رأس الحكومة العسكرية، وهو ما لا يرحب به عون بقدر ما يتخوف منه حيث سبق له ان ارتكب السبعة وذمتها في تلك الاونة؟!