قد لا تكون المرة الأولى التي يزور فيها حزب الطاشناق قيادة معراب، فقد سبقت محطة الأسبوع الماضي إطلالة «طاشناقية» من الحصن القواتي في اعقاب طي صفحة الانتخابات النيابية والبلديات مع القوى المسيحية، فكان انفتاح طاشناقي على الكتائب والقوات اللبنانية وعلى النائب ميشال المر في المرحلة الماضية من أجل طي صفحة الانتخابات وكسر الحواجز النفسية التي خلفتها الاستحقاقات المذكورة .المشهد في معراب بدا عادياً بالنسبة الى العارفين في تفاصيل الحزب الأكبر والأقوى لدى الطائفة الأرمنية .فليس سراً أن قيادة الحزب وبعد خروجها من الانتخابات النيابية بتجربةٍ قاسية جعلتها تفقد رقمها النيابي السابق هي منذ ذلك التاريخ في صدد إجراء حساباتٍ دقيقة ومدروسة لخطواتها القادمة ومستقبل تحالفاتها وعلاقاتها السياسية . وقد لا يعني ذلك أن الطاشناق بدأ يستعد لمغادرة «قلعة» المعارضة حيث يرابض نائبه هاغوب بقرادونيان على طاولة الاصلاح والتغيير ، لكن بالمؤكد فإن الطاشناق عاد للعب الدور الذي كان يتموضع به في المرحلة الماضية ، والذي يتطلع الى المحافظة على العلاقة الجيدة بكل مكونات المجتمع السياسي ، من دون وضع فيتو أو حظر على فريق سياسي دون الآخر.
الانفتاح وإعادة التواصل مع النائب ميشال المر ونجله وزير الدفاع من متطلبات المرحلة المقبلة ، وهو بدأ باكراً فالطاشناق لعب دوراً أساسياً في الانتخابات البلدية في تقريب وجهات النظر بين "المريين والعونيين" ، بدون شك أراح القواعد الطاشناقية التي تحتفظ لأبو الياس بمشاعر سياسية خاصة ، وترتيب الوضعية مع بيت الوسط من المستلزمات أيضاً بعدما لمس الطاشناق أن انقطاع جسور التواصل مع رئاسة الحكومة بات خطأً استرتيجياً وتكتيكياً، خصوصاً وان الطاشناق واجه حالة حرجة لدى قواعده نتيجة حساباته الانتحابية الخاطئة ، فالطاشناق كان رفض عرضاً حريرياً كان سيضيف الى نوابه الحاليين ثلاثة نواب فيما لو «ناور» في تحالفاته النيابية. وعليه ثمة من يرى اليوم أن العلاقة جيدة مع رئيس تيار المستقبل ، ويبدو ذلك جيداً في الهدنة التي يظهرها نواب الحزب ومسؤولوه، وإلتزام النواب عدم التصويت في ملفات تحرج رئاسة الحكومة،وكذلك يبدو واضحاً ان الطاشناق ينأى بنفسه عن الدخول في التجاذبات السياسية الراهنة، حتى أنه يلتزم الحياد في المعارك المالية التي يقودها التيار الوطني الحر ضد الموازنة.
التحالف مع الرابية خيار استراتيجي، لا رجوع عنه من الخيارات الأساسية للطاشناق، لكن ذلك لا يحول دون الانفتاح على القوى المسيحية الأخرى ، من هذه النقطة بالذات تنطلق الحسابات لدى الطاشناق. المبادرة تلقفها جيداً «حكيم» معراب الذي يفتح اليوم يديه لإحتضان «الطاشناق الصديق» كما يسميه ، لكن «حنكة» بقرادونيان وغيرته على الرابية تجعلانه يستحضر عون الى معراب ليذكر من يهمه الأمر «أننا في الطاشناق نؤيد ما يطرحه رئيس الاصلاح والتغيير في معركته لمحاربة الفساد». مشهد التقارب مع القوات بدا واضحاً في الخلوات الحوارية للنائب بقرادونيان ورئيس القوات على هامش استقبال الرئيس الإيراني في قصر بعبدا،وليس سراً أن الاتصالات قائمة بين قيادة الطاشناق ومعراب .ومع ذلك ثمة من يجزم لدى العارفين في الطاشناق ان الالتفات الى معراب لا يعني «إدارة الظهر الى الرابية» ،أو التخلي عن المعارضة ، وإن كان هؤلاء يعولون على «عودة طاشناقية» قوية الى كنف رئاسة الجمهورية، أو الى الوسطية بحيث يتضح اليوم اتساع الحلقة الوسطية الى جانب الرئاستين الأولى والثانية والنائب وليد جنبلاط من أجل انضاج مشروع حل للأزمة السياسية الراهنة .