#adsense

ظواهر

حجم الخط


.. ويبقى الأسلوب ترجمة للمضمون ليس إلا. وفي ذلك تختبئ تراكمات سنوات طويلة من انعدام السياسة عندنا بمفهومها التقليدي والطبيعي المعروف في أي بلد ديموقراطي أو على حافة ذلك النظام مثلما هو الحال في لبنان.

والتوضيح هنا فرض واجب من أول الطريق وليس من آخره، حيث إننا نحكي عن أسلوب معتمد عند سياسيين وإعلاميين في قوى الممانعة تنعدم عندهم أي مقوّمات احترام للهوية الوطنية التي تميّز عالم اليوم وتدفع بناسه الى الانفتاح على الدنيا من جهة والانكفاء على الذات من جهة ثانية. وذاك الانكفاء متدرج ويوصل الى مكان واحد بحيث إن المدار المذكور يبدأ بالأنا ويتمدد باتجاه العائلة فالمذهب فالطائفة فالحي فالمدينة فالمحافظة فالكيان، ثم عودة الى الجذر الأول حيث البيت الذات.

معطيان حاسمان يحددان كينونة الزمن المعاصر: آلياته عابرة لكل حدود، جاعلة من العولمة مراس حياة يومي مستداماً، وفي الوقت نفسه عودة الى الجذور (إذا صحّ التعبير) في كل مجال ومُعطى. وفي هذا تحديداً لم تلغِ العولمة والتغييرات العظيمة التي تلت الحرب الباردة وانهيار المعسكر الاشتراكي المفارقة الآتية: الزمن المفتوح يعني هوية مغلقة أو منغلقة. وفي ذلك يظل "الوطن" كياناً حاسماً في تقديم تلك الهوية وتعريفها وحمايتها. والهوية على أي حال صنو "المواطن" في عالم اليوم ولا حياة من دونها.

تستدعي تلك المطالعة مقوّمات أبرزها الشعور المتجذّر والدفين بالكرامة المطلقة الآتية من حمل تلك الهوية الكيانية بغض النظر عن المستوى الاجتماعي والمالي والطبيعة الغريزية الأولى للانتماء (مذهبياً وطائفياً). بمعنى آخر، فإن كل اللبنانيين يحملون الهوية ذاتها، وكلهم في الإجمال يتداولون النقد الوطني ذاته، وتدل عليهم وإليهم سلسلة "طقوس" لا زالت واحدة وموحّدة. بدءاً بالعلم وصولاً الى التمثيل الديبلوماسي، وبالتالي ليس أمراً طبيعياً لحامل تلك الهوية أن لا يحترمها في أدائه السياسي وغير السياسي. يمكن الانتساب الى إيديولوجيا عابرة لحدود الوطن، لكن لا يمكن استبدال تلك الإيديولوجيا بهذا الوطن. تلك في مكان وهذا في مكان آخر، وتلك فرع وهذا أصل، وتلك هوامش وهذا متن.

.. ولا أفهم بعد هذا بقليل، كيف يمكن الانسحاق السياسي (حرفياً) الى حدود تعليق العمل بتلك الهوية الوطنية أمام جهة خارجية بعيدة كانت أم قريبة.. لا يُشار هنا الى "تنسيق" وتحالف وتآلف يتعلق بالمصالح المشتركة والمتبادلة (من دون استثناء؟)، إنما الإشارة هي الى مسار هرياني قد يطلب منك في لحظة سمّاعة "الانتحار" من أجل مصالحه هو فيُقبل الطلب! ثم بعد هذا ينطلق مراس تبريري (في السياسة والإعلام) يؤطر كل جهده من أجل "شرح" ذلك ووضعه في خانة مصطلحات فخمة وطنّانة.. وبسعادة عامرة غامرة وفيّاضة!

سبق أن قيل في هذا المقام، أن تفسير تلك الظاهرة يحتاج الى قراءة في "طبيعة" الحروب الأهلية وفي نتائجها، إضافة الى الاستعانة بعلم النفس الخاص بالأفراد والعوام على حد سواء.. لكن ما يحصل راهناً يحتاج الى شيء آخر تماماً: الى الضرب بالرمل لمحاولة فهمه ووضع قراءة وصفية صحيحة له، حيث العلم أخذ إجازة وحضرت الخرافة تتغندر بديلاً منه.. وأي زمن خرافي هذا!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل