في 29 نيسان2009، اعلن قاضي الاجراءات التمهيدية في المحكمة الخاصة بلبنان دانيال فرانسين ان "المدعي العام دانيال بيلمار أمر بالافراج فورا عن الضباط الاربعة (جميل السيد ومصطفى حمدان وريمون عازار وعلي الحاج) واتخاذ الاجراءات اللازمة لضمان سلامتهم". ولفت فرانسين الى انه "بعد النظر في الملف، تبين ان الاسباب ليست كافية للاستمرار في احتجازهم، وقرر الطلب من القضاء اللبناني إخلاء سبيل هؤلاء الأشخاص مع ضمان أمنهم".
وبناء على قرار المحكمة، اخلي سبيل الضباط الاربعة المشتبه بتورّطهم في "جريمة العصر" في 29 نيسان 2009، اي بعد 44 شهرا على احتجازهم الذي تمّ في 30 آب 2005، لتنطلق مع تخليتهم عاصفة كبيرة من التداعيات السياسية والحملات الهجومية التي شنّتها المعارضة على القوى الاستقلالية، منظِّمة احتفالات حاشدة للضباط المفرج عنهم في محاولة منها لتبييض سجلاتهم الزاخرة بالممارسات القمعية والارهاب الامني والفساد، وسط احتضان لافت لهم من نواب "حزب ولاية الفقيه"، الذي شنّ اعنف هجماته على السلطة وقوى "14 آذار" والقضاء اللبناني، متوعّدا قوى "14 آذار" بـ"ثمن سياسي كبير".
ومنذ اخلاء سبيلهم، تعمد وسائل اعلام قوى "8 آذار" الى اظهار بعض هؤلاء الضباط بشكل منتظم ومنظم على شاشاتها، حيث يتظلمون ويتباكون ويتوعدون ويصرخون ويشتمون ويضللون الرأي العام، ولا سيما منهم اللواء جميل السيد، الذي يستأثر بالقسم الاكبر من المساحة الاعلامية ولا يكتفي به، بل يعقد بين الفينة والفينة مؤتمرات صحافية ماراتونية تفتقر الى ابسط قواعد واخلاقيات ولياقات التخاطب بين الناس، وفيها ما فيها من الاسفاف وقلب الحقائق والتضليل الذي خبره هذا الضابط ومارسه باتقان طوال سنوات خدمته تحت إمرة سلطة الاحتلال السوري، وخلال فترة تزعمه النظام الامني السوري – اللبناني المشترك.
واللافت في حركة جميل السيد الاعلامية، اذا استطاع المرء متابعتها متحمّلا سماع الكلمات النابية، ومتكبدا عناء الانصات للاساليب الكلامية المتدنية والبالية، انّ هذا الضابط المخلى سبيله يحاول اظهار نفسه بمظهر الحمل الوديع وصاحب السجل الابيض الناصع والتاريخ المجيد المشرّف، الذي افتُرِيَ عليه فجرى توقيفه ظلما وعدوانا وانتقاما مدة 3 سنوات و8 اشهر لاسباب سياسية وكيدية بحتة!
اما الطريف في تلك الحملة الاعلامية والاعلانية، فيكمن في ان الناظر الى اداء جميل السيد التمثيلي وحركاته التعبيرية وانفعالاته الايمائية، والسامع لمرافعاته التضليلية المتمحورة حول اغتيال الرئيس رفيق الحريري، يخيّل اليه ان هذا الرجل كان من مناصري الرئيس رفيق الحريري ومن اشد المتحمسين لخطه السياسي ونهجه الاقتصادي في تلك المرحلة، لا بل يكاد يصدق ان هذا السيد اشد حرصا وغيرة على دماء الرئيس رفيق الحريري من عائلته وولده سعد، وانهم ربما تآمروا على الشهيد فدبروا عملية اغتياله، ثم البسوا التهمة الى الضباط الاربعة، وتآمروا على سوريا وحلفائها وازلامها والوطن!
وبات واضحا منذ عملية اخلاء سبيله في نيسان 2009، وصولا الى مؤتمره الصحافي الشهير الذي عقده في 12 ايلول 2010، ان المدير العام السابق للامن العام جميل السيد المسيّر من قبل النظام السوري و"حزب ولاية الفقيه" في لبنان، الذين اتخذوا منه اداة لاطلاق شرارة مشروعهم الانقلابي على لبنان والمحكمة الدولية، انما يتوسّل في حملته الدعائية والتضليلية الكذب ثم الكذب ولا شيء سوى الكذب، سيرا على منهجية "جوزيف غوبلز" وزير الدعاية في الحكومة النازية، الذي اشتهر بمقولة "اكذب، اكذب، فلا بد ان يعلق في الأذهان شيء منه"؛ او بعبارة اخرى "كرر الكذبة مهما كانت كبيرة فتصدقها الجماهير"!
ولكي لا يصبح الكذب والتضليل وتكرارهما المبرمج والمنظم حقيقة وصدقا في اذهان الناس، لا بد من ايراد الحقائق التالية لجلاء الصورة وتنقيتها من الغبار الذي يحاول جميل السيد واسياده ورفاقه اثارته في اعين الرأي العام، محاولين تعميته عن رؤية الامور على حقيقتها المجردة.
في ما يتعلق بتاريخ جميل السيد مع الرئيس الشهيد رفيق الحريري: منذ العام 1992 سخّر النظام السوري السيد لمضايقة الحريري وابتزازه وعرقلة مشاريعه، فأقحم نفسه في كل صغيرة وكبيرة في مساره العام وحياته الخاصة، لدرجة جعلت الرئيس الشهيد يستجير بالرئيس حافظ الأسد وكبار معاونيه للتخلص من تلك مضايقات، لكن من دون جدوى لأن السيد ببساطة كان ينفذ تعليمات اسياده.
ومن الاساليب المؤذية التي كان يتبعها السيد لمحاربة الحريري ومحاولة تحجيمه، تولّيه شخصيا مهمة تحريض بعض الصحافيين في الاعلام المرئي والمكتوب الذي كان بمعظمه ممسوكا من قبل السيد واللواء غازي كنعان، لبث وكتابة معلومات مفبركة لا اساس لها من الصحة ضد حكومة الحريري وشخصه ومشروعه الاقتصادي والاعماري، وكان جميل السيد يومها نائباً لمدير المخابرات في الجيش.
وقد نجح السيد مع قائد الجيش المعين اميل لحود في تشكيل ثنائي متناغم ضد الهراوي والحريري، تمهيدا للمجيء بإميل لحود من قيادة الجيش إلى رئاسة الجمهورية على حصان أبيض، فتولى السيد ذلك التمهيد بأضخم حملة إعلامية تتحدث إيجاباً عن مآثر الجيش وقائده، وتذم الطبقة السياسية وتشهّر بها، مصوّرة لحود على انه المخلّص المنتظر!
وبالفعل وصل لحود الى رئاسة الجمهورية واذاق الرئيس الحريري بمعاونة السيد الذي عين مديرا عاما للامن العام الامرّين، فتابع الثنائي مهمة التضييق على الحريري وعرقلة مشاريعه وتعطيل ادائه الحكومي بغية تطويعه او اغتياله سياسيا، فكان يعتكف تارة ويستقيل تارة اخرى. وقد بلغت الحملة التي بدأت ضد الرجل منذ العام 1993 اوجها مع صدور القرار 1559 (الذي يمثل النسخة الدولية للدستور اللبناني) والتمديد القسري للرئيس لحود، حين هدد الحريري في العاصمة السورية، ثم اتهم بالعمالة والخيانة ومورس التضييق على مؤسساته وبعض العاملين فيها، وكأنها عملية تمهيدية لاغتياله الجسدي الذي تمّ في 14 شباط 2005.
اما بالنسبة لاكذوبة تعرّض الضباط الاربعة للظلم المدفوع بكيدية سياسية ادت الى استمرار اعتقالهم من 30 آب2005 الى 29 نيسان 2009، وادعائهم ان اخلاء سبيلهم يعني تبرئتهم من المشاركة في جريمة اغتيال الحريري، فيرد عليه بالنقاط الاتية:
1- ان قرار توقيف الضباط الأربعة لم يكن تعسفيا او اعتباطيا او سياسيا كما يحاول هؤلاء ايهامنا، بل أتى بعد توافر شبهات مدعومة بقرائن وإفادات شهود، على ضلوع أشخاص معيّنين من بينهم الضباط في ارتكاب الجريمة، ومن تلك الشبهات والقرائن التي بقي بعضها غير معلن حفاظا على سرية التحقيق نذكر: الكيفية المريبة في تعاطي الضباط مع الجريمة بعد حصولها، ولا سيما في ما يتعلق بالتلاعب في مسرح الجريمة، وطريقة التعامل مع شريط ابو عدس، ومحاولات أخذ التحقيق الى مكان آخر، وموضوع الحجاج الاوستراليين.
وفي هذا السياق، كشف الرئيس الأول للجنة التحقيق الدولية المستقلة ديتليف ميليس لصحيفة المستقبل في 8 أيار2009، أن التوصية التي أصدرها بإيقاف الضباط الاربعة لم تكن مبنية فقط على الإفادات الموقعة من الشاهد زهير الصديق فحسب، بل كانت مستندة أيضاً إلى إفادات أخرى لشهود آخرين، ومن بينهم على سبيل المثال لا الحصر، إفادة "الجنرال.ح"(لا يكشف اسمه) وإفادة" شاهد موثوق به "حدّثه عما قاله له العميد مصطفى حمدان حول النية بإرسال الرئيس رفيق الحريري "في رحلة". ويشير ميليس إلى أن التوقيف كان احتياطياً وأملته المعطيات التي اكتشفها فريقه لدى مداهمة منازل الجنرالات الأربعة، مقدماً في هذا السياق مثلين، أولهما يتصل باللواء جميل السيد الذي كان يضع في منزله مبلغ خمسين ألف دولار أميركي الى جانب دزينة من جوازات السفر، وثانيهما يتصل بالعميد مصطفى حمدان الذي كان ينوي السفر في اليوم نفسه الى الولايات المتحدة الأميركية.
2- واذا كانت لجنة التحقيق الدولية لم تظلم الضباط الاربعة من خلال التوصية بإيقافهم، فهي لم تظلمهم ايضا باستمرار توقيفهم مدة 44 شهرا قبل ان تفرج عنهم المحكمة. ذلك، ان توقيف الضباط في البداية كان خاضعا للقانون اللبناني الذي سندا للمادة 108 من قانون اصول المحاكمات الجزائية التي لا تربط عملية توقيف المدعى عليه الموقوف بمهلة زمنية محددة في حال الإعتداء على أمن الدولة والجنايات ذات الخطر الشامل، بل تجعل مدة التوقيف مفتوحة الى ان تظهر البراءة او ينتهي التحقيق بالتمكن من توجيه التهمة اليه وادانته. وهذا هو النظام الفرانكوفوني المعمول به في لبنان، ويقابله النظام الانغلوسكسوني الذي تتبعه المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، والذي لا يسمح بالتوقيف الاحتياطي لأكثر من 90 يوماً، (شهر واحد مع قابلية تجديد مشروطة لمرتين كحد أقصى).
وبالتالي، عندما افتتحت المحكمة الدولية عملها في آذار 2009، وتسلمت رسمياً من لبنان مسؤولية الموقوفين في 8 نيسان 2009، باتوا خاضعين لقانونها في التوقيف الاحتياطي ، ونظرا لعدم كفاية الادلة لم يكن بوسع المدعي العام طلب الإبقاء على التوقيف، لأنه ينبغي أن تتم إدانة الموقوفين في غضون 90 يوماً، فجرى الافراج عنهم. وهذا ان دل على شيء، فهو يدل على عدم تسييس المحكمة ولا سيما ان قرار الافراج خدم بتوقيته الواقع على مشارف الانتخابات النيابية قوى "8 آذار" التي وظفته واستثمرته في حملتها الانتخابية.
وبالمناسبة، تجدر الاشارة الى انه خلال وجود الرئيس رفيق الحريري في رئاسة الحكومة، حاول تعديل المادة 108 من قانون اصول المحاكمات الجزائية بتحديد سقف زمني محدد لها، قائلا انه لا يجوز ان يبقى التوقيف الاحتياطي الى ما شاء الله. وبالفعل اقر قانون التعديل في مجلس النواب عام 2001 وكان يومها القاضي عدنان عضوم نائباً عاماً تمييزياً، الا ان اميل لحود وجميل السيد رفضا هذا التعديل واجبرا بمعاونة غازي كنعان مجلس النواب على الالتئام لاعادة تعديل المادة وجعلها دون سقف زمني محدد في جرائم الإعتداء على أمن الدولة والجنايات ذات الخطر الشامل. وكان السيد يفتخر دائما بانه استطاع جمع مجلس النواب في 24ساعة ليقوم باعادة تعديل المادة، وها هي قد طبقت عليه فذاق السم الذي طبخه وانقلب السحر على الساحر.
3- ان ما يتبجح به جميل السيد عن وجود براءة ساطعة له وللضباط الاربعة بدليل قرار المحكمة الافراج عنهم ليس دقيقا على الإطلاق، على اعتبار أن أي قرار بهذا المعنى لم يصدر بعد عن المرجعية الصالحة في المحكمة الخاصة بلبنان، فالمحكمة لم تصدر قراراً لا بالحكم عليهم ولا ببراءتهم، وانما افرجت عنهم لأن "الأدلة والمعلومات لم تكن كافية لادانتهم" كما ذكر القاضي فرانسين في29/4/2009.
وبما ان التحقيق لم ينته بعد، فإن الافراج عن الضباط الأربعة لا يعني بحد ذاته البراءة، لا بل من المرجح استدعاء المحكمة الدولية لهؤلاء الضباط عند بدء المحاكمة العلنية وفقاً للتحقيق إما بصفتهم شهوداً، أو مسؤولين عن أمن لبنان في مرحلة اغتيال الرئيس الشهيد، أو مشتبها بهم، أو مدّعى عليهم. وهذا ما اكّده القاضي بلمار يوم تخليتهم، اذ لفت الى امكان استدعائهم في حال ثبوت ادلة تستدعي اتهامهم؛ فقد شدد في 29/4/2009 على "ضرورة ألا ينسى الشعب أن التحقيقات لا تزال جارية(…) وأن الخيوط التي تقود التحقيقات كثيرة". وتابع: "ليس على الشعب أن يفهم أن التحقيقات أكبر من قضية الضباط الأربعة وحسب، بل عليه أن يفهم أيضاً أنه لو قادتني أي من خيوط التحقيق اليهم (الضباط الموقوفين) مدعومة بالأدلة الكافية والدامغة، فسأكون أول من يطلب توقيفهم وإدانتهم".
فإلى جميل السيد ورفاقه الضباط نقول: شبعنا تضليلاً، وكفى ادعاء للعفة، فلو كان في حقبة الوصاية السوداء مكان للعدالة، لكان السجن اولى بكم جزاء ما اقترفته ايديكم بحق لبنان وشعبه.