لم تفاجئ مواقف الرئيس السوري بشار الأسد المنشورة أمس في صحيفة "الحياة"، بشأن لبنان عموماً، ورئيس الحكومة سعد الحريري خصوصاً، أحداً لأسباب عدة، لخصها مصدر قيادي في قوى "14 آذار" لصحيفة "السياسة" الكويتية على النحو الآتي:
أولاً: لم يمح كلام الأسد "الإيجابي" عن الحريري الإساءة التي سبق ووجهها رئيس الحكومة السورية محمد ناجي العطري إلى الموقع السياسي للرئيس الحريري، من خلال استهداف قوى "14 آذار". لا بل إن الأسد أكد في معرض النفي عدم احترامه لقوى الأكثرية، من خلال إبداء الحرص على العلاقة الفردية مع زعيم هذه الأكثرية من دون الآخرين, وكأنه يقول للحريري أن يتخلى عن "الهيكل الكرتوني"، ويذهب إلى دمشق كأي شخص آخر لا يتمتع بالصفة التمثيلية العريضة التي يحوزها لمفاوضته على الشأن اللبناني.
ثانياً: تحدث الأسد عن بقاء الحريري كرئيس للحكومة، وعن مشاورات يجريها الأول مع الحلفاء اللبنانيين بهذا الشأن. وهذا يعني ببساطة القول إن بقاء رئيس الحكومة في موقعه, هو قرار سوري, وإن معركة إسقاطه ممكنة إذا أراد الحلفاء اللبنانيون التغيير الحكومي. هذا الكلام معطوف على ما تورده الصحافة السورية, وكلها ناطقة باسم النظام, من دفتر شروط مفروض على الحريري الالتزام به، لتحسين علاقته بدمشق.
ثالثاً: في حسابات الأسد أن الحريري هو الرجل المناسب للمرحلة الحالية في لبنان، وهذه المرحلة هي مرحلة صدور القرار الظني الذي سيدمر البلد. فهل هذا يعني أن الرئيس السوري يريد رئيس حكومة لبنان شاهداً على خراب وطنه، أم أنه يخيره بين البقاء مع الفتنة التي سيشعلها حلفاؤه، أو الرحيل من "تلقاء نفسه"؟ وفي كل الأحوال ثمة قناعة لدى كثير من اللبنانيين أن النظام السوري يفضل أن تكون الحكومة التي ستطالب بإلغاء المحكمة، برئاسة الحريري، وليس غيره.
رابعاً: تبنى الأسد تماماً وجهة نظر "8 آذار" فيما خص المحكمة الدولية، عندما قال ما قاله عن القرار الظني، فهل يصح ذلك إذا كان بالفعل حريصاً على علاقات من دولة لدولة. فالمطلوب من الرئيس السوري إذا أراد بالفعل مراعاة العلاقات الرسمية مع لبنان، أن يحترم الموقف الرسمي اللبناني، الذي لا يزال حتى اللحظة مطالباً بقوة بالمحكمة الدولية، ومحترماً لما سيصدر عنها، وملتزماً واجباته تجاهها، رغم كل ضجيج قوى "8 آذار".
ويشبه كلام الأسد هذا، سلوك الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد أثناء زيارته لبنان، إذ أطلق خطابين مختلفين بشأن القرار1701 ، واحد رسمي وآخر حزبي. وليس من قبيل الصدفة أن يقول الأسد, وجود تطابق سوري – إيراني بشأن لبنان.
خامساً: شكل تصريح الرئيس السوري تكراراً نموذجياً لسياسة بلاده المتبعة في لبنان منذ عقود، في افتعال المشكلات ومن ثم استدراج عروض إخمادها. فهو أعطى الضوء الأخضر لحلفائه للمضي في معركة إسقاط المحكمة، حتى لو تطلب ذلك إسقاط الحكومة, وفي الوقت نفسه أعلن أن أبواب دمشق مفتوحة للحريري، لمفاوضته على البقاء رئيساً للحكومة, وعلى عدم تعريض فريقه السياسي لخطر الإلغاء.
وختم المصدر القيادي في قوى "14 آذار" بالقول: إن أخطر ما قاله الأسد تأكيده أن الصدامات قد تقع في لبنان حتى لو لم نردها أن تقع، وذلك في معرض رده على سؤال عن احتمال تكرار 7 ايار 2008 وهذا يعني أن المداولات السياسية التي سيجريها الأسد مع الحريري، ومع المملكة العربية السعودية، شيء، والوضع الأمني على الأرض اللبنانية شيء آخر.