مرّ الخبر كأنه طير عابر في سماء مفتوحة، مع أنه ليس كذلك أبداً.. نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" بداية أن إيران تدفع أموالاً نقدية الى مدير مكتب الرئيس الأفغاني حميد قرضاي. نفى المعنيون الخبر (السفارة الإيرانية في كابول) لكن قرضاي عاد وأكده "بشفافية" يُحسد عليها!
الخبر يؤكد المؤكد، أي السعي الإيراني الحثيث والدؤوب الى توسيع رقعة النفوذ حيثما أمكن. ولا يهم على ما يبدو إن كان ذلك لدى حلفاء وأصدقاء أو لدى من هم في حالة ملتبسة إن لم يكونوا في خانة أخرى مثل حالة العزيز قرضاي.
لكن الموضوع ليس في التفاصيل وإنما في السياق المنهجي العام المعتمد من قبل الجمهورية الإسلامية، حيث وضعها المالي والاقتصادي الصعب لم يعد سراً قومياً مخفياً وإنما هو على ما يقول الثقاة، معلوم وواضح وسيزداد وضوحاً يوماً بعد يوم تبعاً للعقوبات الدولية المفروضة حديثاً.
كأننا أمام نهج قديم ومعروف ولكن بحُلّة جديدة.. ويتذكر كثيرون في هذا المنحى الاتحاد السوفياتي في أيام عزّه وجبروته وأمجاده. ويفترضون أن العودة الى الذاكرة هنا في محلها تماماً: دولة مترامية الأطراف والجغرافيا والأهداف والمصالح والطموحات؛ اشتغلت على بنيانها كما لم يفعل مثلها شيء في التاريخ الحديث (وربما القديم) وبنت صروحاً كبيرة في الشأنين العسكري والعلمي الثقافي، ووضعت نصب عينيها مُسلّمة معروفة في العلم السياسي مفادها أن حماية الكيان تحتاج الى مدار واسع، وإلى مظلّة أمان جغرافية إيديولوجية أكيدة تصنع حدوداً إقليمية للحدود المحلية، بحيث أن الدفاع عن الأرض الأم يبدأ من القتال في الأرض المجاورة تحت تلك المظلّة الفضفاضة.
نجحت التجربة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وليس قبلها، حيث استبدل ستالين نظرية تروتسكي عن تصدير الثورة بواحدة من عندياته هي تصدير النظام بكل آلياته، وإقفاله حيث ينشأ بستار حديدي. وظل المسار قائماً الى أن انتهت الحرب الباردة وتكشف المستور: القوة العظمى، أحد قطبي الرحى في العالم المعاصر، كانت مصابة بهريان داخلي اقتصادي وتنموي عميق وواسع النطاق. يُضاف إليه خواء تام في نظرية الدمج وفلسفة "الطبقة" البديلة واللاغية للانتماءات الاثنية والدينية.
إمبراطورية فعلية عسكرية وأمنية وحزبية افترضت حماية لها في توسيع نفوذها الى الخارج، وفي صرف مقدراتها لخدمة ذلك النفوذ، فكان أن ضرب عصبها الوتر الاقتصادي الاجتماعي وفتتها بطريقة عجيبة وتقارب المستحيلات.
على حدود تلك التجربة تقف إيران اليوم(؟) حيث تبدو طموحاتها أكبر من قدراتها. وسياستها الخارجية نسخة محوّرة (في عناوينها فقط) عن سياسة الاتحاد السوفياتي السابق. وللبعض أن يفترض بعد ذلك أن التماثل في الأداء يبدو أغرب من الخيال: قبل أن تدعم إيران قرضاي، كانت موسكو "صنعت" محمد نجيب الله.. والنتائج معروفة!