#adsense

محاولة اغتيال الذكرى بعد اغتيال الجسد

حجم الخط

"مذ جئت أدفع مهر الحرف، ما ارتفعت
غير النجوم على أسلاك أسواري
أقول للمحكم الأغلال حول يدي
هذي أساور أشعاري وإصراري"
محمود دوريش

لست أدري ما كان يجول بخاطر الرئيس الشهيد رفيق الحريري سنة 1979 عندما أطلق العنان لمؤسساته الانسانية في لبنان، في وقت كانت آلة القتل والدمار تمعن في التنكيل بلبنان بشراً وحجراً. وما هي تلك الرؤية التي دفعته، في وقت كان الأمل مفقودا بمستقبل هذا البلد، لأن يستثمر في مشروع طويل الامد مثل التعليم تعبيراً عن الايمان بأن السلام والوحدة بين اللبنانيين سيحلان يوماً.

يومها كان أمراء الحرب وزعماء الميليشيات هم ابطال الساحة الذين كان بيدهم قرار الموت والفوضى والدمار، وكان اللبنانيون منقسمين بين من يموت لحساب هذا او لحساب ذاك من الامراء. في ظل هذا الجو أتى رفيق الحريري ليضع امام الشباب اللبناني خياراً ثالثاً هو الأمل بالمستقبل بدل خيار الموت العبثي.

لم تتوقف المسألة عند ذلك، بل سعى بكل الطرق الى ايجاد طريقة لإقناع امراء الحرب اللبنانيين بهذا الخيار على الرغم من الإحباطات المتكررة من المؤتمرات والاجتماعات التي أخفقت في انتاج الحلول.

وفي الوقت الذي كان الرئيس الشهيد يسعى الى إنجاح مؤتمر الطائف، كان احد الجنرالات في لبنان يعلن الحرب يميناً ويساراً على الداخل والخارج، الى ان أتت النتيجة دماراً وموتاً كبيرين، في حين أنه تسلل هو نفسه تحت جنح الليل تاركاً "الشقا لمن بقا"، ولغيره إصلاح ما تسبب هو بدماره.

لقد اختار الرئيس الشهيد منطق التسويات وسيلة وحيدة للتوفيق بين الخيارات المستحيلة بين الاطراف اللبنانية، وهذا ايضاً ما كان عنوان مساره في الحكم الذي كان محكوما بتوازنات دقيقة تبدأ بالوجود السوري الخانق لتمر بشهوات السياسيين وفسادهم، ولا تنتهي بعقدة الخوف المتبادل بين الطوائف. كما أن ما توج كل ذلك هو استمرار عدم الاستقرار الذي كان عنوانه مواجهة الاحتلال الاسرائيلي للجنوب والبقاع الغربي واستمرار الصراع العربي الاسرائيلي.

ومع ذلك فقد اختار الرئيس الشهيد المسار الايجابي والتفاؤل بدل الاعتكاف او الهجرة، لعلمه بأن المعادلات الدولية التي أوجدت لبنان في واقعه لا بد ان تتغير يوماً، والمهم كان إعادة الدولة الى الحياة وإعادة الوطن الى الخارطة الدولية، من خلال حراك ديبلوماسي واقتصادي لافت. وقد وصل الى قناعات بعد تجاربه بأن عملية الاصلاح ومحاربة الفساد هما مسألة شديدة التعقيد في ظل التوازنات الطائفية الدقيقة التي جعلت من الفساد مسألة معممة ومحمية بهذه التوازنات. لذلك، فبدل الانتظار وترك الوضع الاقتصادي يتدهور بفعل التأكل، رفض الرئيس الشهيد خوض تجربة الإعمار رغم منطق الفساد المعمم.

ولم يكن غريباً ان يتعرض الرئيس الحريري للهجوم على خلفية الاقتصاد، وأحياناً من قبل الفاسدين والمفسدين انفسهم، ويذكر الجميع محاولات النيل منه ومن فريقه اثناء حكم الرئيس اميل لحود منذ عام 1998 الى حين استشهاده. وقد كان التجني يشمل حتى الاعمال الانسانية كما حصل في قضية الزيت التي ركّبت قبيل عملية الاغتيال.

في اللحظات التي تلت العملية الارهابية التي خطفت رفيق الحريري في 14 شباط 2005، تعرّف اللبنانيون على رفيق الحريري الانساني وفاعل الخير الذي كان يعطي بلا حدود، لأول مرة خارج الاطار السياسي وموقع السلطة الذي كان يغطي في كثير من الاحيان الصفات الشخصية لمن هم في سدة الحكم. لقد شكلت هذه الصفات أحد أهم العوامل التي ساهمت في صنع قضيته وتأييد الرأي العام لتدويلها ووصولها الى المحكمة الدولية، رغم تحمل أعباء التوتر وعمليات الاغتيالات والتفجيرات والاعتصامات التي جرت على خلفية إنشاء هذه المحكمة.

لذلك، ليس غريباً ان يأتي اليوم من يحاول اغتيال الصورة التي نسجت عن رفيق الحريري تمهيداً لاغتيال الذكرى، وتحويل قضية المحكمة من مسألة وطنية وإنسانية الى قضية خاصة بأصحاب الدم، كما حاول كل معارضي المحكمة الدولية تصويرها.

لذلك ينبغي ان نؤكد ان هذه القضية لا يمكن ان تختصر لا بأصحاب الدم ولا بجماعة معينة، لأنها قضية حق وعدالة تتعدى حتى الإطار الوطني لتصبح مسألة انسانية عامة، وان نذكر دائما لائحة شهداء الاستقلال ايضاً الى جانب رفيق الحريري من كانوا نخبة من مناضلي ثورة الارز والمواطنين الذين سقطوا ضحية الاجرام المتمادي.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل