#adsense

دون كيشوت 2010 .. وطواحين السياسة اللبنانية

حجم الخط

لا يفتأ الجنرال ميشال عون يبهر اللبنانيين بطروحاته الكبرى. وآخرها مطالبته بمحاكمة "الحريرية"، وهي ليست المرة الأولى التي يحمل فيها باللغة المبتذلة التي تجافي ما يعرفه اللبنانيون من أخلاقيات وأصول تحكم التخاطب السياسي على مسيرة الرئيس الشهيد رفيق الحريري.

وقد يكون في كلام الجنرال، قائد الجيش السابق، رئيس التكتل النيابي، رئيس الحكومة السابق، النائب، وجه صواب (الصواب بمعنى التقسيم العقلي للقضايا لا بمعنى إصابة وجه الحق)، لو كان الاختلاف ينطلق من تباين في مقاربة منهجية إدارة الشأن العام، حصراً، لأن ذلك من بديهيات العمل السياسي وأصول العمل الديموقراطي، لكن التدليس والديماغوجية، واجتزاء الوقائع، وتشويه التاريخ تحيل إلى بحث آخر، يتعلق في أحد وجوهه بإشكالية ارتكاس الأقلية السياسية بالتضامن والتكافل – في معركة مع الوهم ضد المحكمة الخاصة بلبنان ولمآرب سياسية أخرى، وفي سبيل ذلك لا تتم المساجلة بالقانون والقضاء والوقائع والأسانيد، بل بالتجريح والغوغاء والتطاول، ولا تتورع عن الاغتيال مجدداً ولو للصورة السياسية والإعمارية والنهضوية للرئيس الشهيد.

أما وجهها الآخر، فيتصل بإشكالية الزعامة في لبنان، أو بشكل أدق هاجس التحول أو شبقية التسلط وعدم القدرة على التحول – من زعيم طائفة أو ميليشيا أو مجموعة إلى رجل دولة.. وكلا الاحتمالين يحيلان إلى الحديث مجدداً عن النمط الذي أرساه الشهيد في إدارة الشأن العام، ولا تزال تتنازعه تقاليد النمطية الذرائعية النفعية المتلونة للحياة السياسية في لبنان.

كان رفيق الحريري في سياسته ووطنيته، بل في مجمل سلوكه، أهلياً. فقد مثّل طائفة من دون أن ينحصر بها، ومثّل وطناً من غير أن تسجنه حدوده. وعلى الرغم من ولعه بالتحديث وأدواته وتقنياته، ظل النشاط الخيري، وقيم التعاضد الأهلي، كما افتراض العائلات وحدات للعمل السياسي، من الثوابت في نشاطه العام. وبقدر من الاستطراد يجوز القول إن زعامة "الحريرية"، الآتية من عالم الأعمال، شكّلت ارتداداً عن سياسة وفدت زعاماتها من المتاريس وأخرى عن المتاجرات الفاشلة باستقرار الوطن وأرواح المواطنين، حيث معنى البطولة والبطل مَثّله المليشيوي ثم المخادع – المتلّون، في مقابل ظهور زعامة مؤنسنة لا تحفّ بها هالة مصادرها في قضاء أو قدر.

فعلاً لقد اتصف رفيق الحريري بانخفاض النبرة والتخفف من الانتفاخ الخطابي. وهو لم يبرع في تأليف التعابير المحتدمة ولا الشعارات المكثّفة التي تدغدغ، أو ترجّع، إحباطاً يقيم في ذاكرة جمعية ما. فكان، في هذا، يرهن بالعمل والمبادرة ما اعتاد الآخرون ربطه بالحماسة والتعبئة بوصفهما تنفيساً شعورياً ولغوياً في آن.

وعليه، تحتل "الحريرية" في نموذجيها الأب والابن- موقعاً في تاريخ السياسة والزعامة العربيتين يرقى الى مراجعة نوعية لما هو مألوف في هذا السياق. ذلك أن الوطنية كما تجسّدها تنتمي إلى مدرسة سياسية متقدمة، ترى في العمل السياسي (الشأن العام) جزءاً يُتوّج ما يمر به المجتمع، فتتسع رقعتها من غير أن تسدد انقلاباً الى الداخل الاجتماعي، إذ لا "أعداء تاريخيين" لها في الداخل، ومن دون أن تحلّ، بوصفها "قضية مقدسة"، محل البشر وشروط حياتهم، قبل أن يقحم المنطق العسكريتاري والاستبدادي، ولاحقاً المليشياوي، منطقه على الاجتماع السياسي العربي الحديث، وبالآليات المعروفة إياها، وهي بهذه المعاني تتلاقى مع الإرث الميثاقي والوطني والمدني الكبير للزعامات السنية منذ الاستقلال.

كان رفيق الحريري رجل إنماء وإعمار بمقدار ما كان رجل دولة، ورجل قضية وطنية، ومشروعه، لم يكن لترميم ما تهدم من بناء واقتصاد فحسب، بل كان في جوهره ومراميه البعيدة لترميم الذات اللبنانية، فهو لم يطأ السياسة إلا مع اتفاق الطائف وليس عن زعامة الميليشيا، ذاك أن البراغماتي فيه غلب الأيديولوجي، وأكثر من ذلك سعى الى إعمار ما دمره المتقاتلون، وسعى لبناء اقتصاد كان هؤلاء قد أطاحوا به، وليس من خرّب البلاد كمن دمّرها!

واستتباعاً، لا يستقيم تحميل الرئيس الشهيد رفيق الحريري تبعات فساد الطبعة السياسية، أو هشاشة بنية الدولة، أو انتشار الفساد في مؤسساتها، لأن إرثه إنما ارتبط بنبذ أسباب الشقاق، وسدّ منافذ الفتنة، وهو لم ينطلق في ذلك من ضعف أو عجز بل من ثقافة راسخة تقيم الاعتبار لقيم الشراكة والميثاق وإعلاء شأن السلم الداخلي والعلاقة بين السلطات من أجل التطوير والإصلاح وبناء الدولة العصرية، وحفظ الانتماء العربي للبنان، وكان يدرك تماماً أن لكل ذلك، فكرة وموقفاً وممارسة، خصوماً كثيرين من أطراف الحرب الداخليين ومن المستفيدين ومن المتاجرين بالوطنية وفق مواقف ذئبية، نفعية، مصلحية، آنية متقلبة، تستقي مضامينها من موروثات الأنظمة التوتاليتارية، بمفاهيم مطاطة، مع شهية مفتوحة لسحق المخالف في السياسة أو الرأي، من دون اجتراح أي حل في السياسة أو الاقتصاد أو الاجتماع أو البرامج أو الرؤى، وجلّ ما يعرفونه هو علاقات متموجة، وتغيير التحالفات في مد وجزر دائمين، وكأن في الأمر تقسيم عمل أو توزيع مهام كي يقوم كل فريق بما هو مطلوب منه في لعبة الانتهاب أو العرقلة.

كان رفيق الحريري في السياسة رجل الاعتدال والتسويات لأن مزاجه الأخلاقي والديني كان كذلك، ولأنه كان يدرك في أعماق الوعي واللاوعي ان السياسة بمعناها الأشمل والأرحب يجب ان تكون تراكماً للتسويات وقرارات الاعتدال، وهو على أساس من ذلك وبسبب منه عمل على انهاء الفتنة المدمرة التي عصفت بلبنان وعلى إعادة إعماره وتطوير اقتصاده وبناء الدولة فيه، رغم قناعة ربما بفساد كثير من طبقته السياسية.

بعد خروجه من الحكم في العام 1998، وفيما عكف على وضع تجربته وأفكاره وأولوياته موضع المساءلة والمراجعة، أسرّ الرئيس الشهيد إلى صديقه فؤاد السنيورة بالقول "لقد استطعنا بناء البلد بالتسلل وبدفن الرأس في الرمال، كأنما كنا نقوم بعمل شائن. كيف صارت الأجهزة الأمنية هي الحل؟ وكيف ظهرت مقولة أننا نقدم الحجر على البشر؟"، ومضى يقول "وضعنا اليوم أفضل بعشرات المرات من العام 1990، لكن لماذا لم يتحقق إلا نصف ما أملناه في المجال الاقتصادي، وربع ما رجوناه في المجال السياسي؟". ووسط الحملات السياسية والملاحقات القضائية (من حلفاء عون الحاليين الذين لاحقوا أنصاره في تلك الفترة)، كتب الرئيس الشهيد كتابه المعروف "الحكم والمسؤولية" دفاعاً عن التجربة وفتحاً للبدائل والآفاق المستقبلية.

نعم، كان رفيق الحريري رجل الانماء والإعمار بمقدار ما كان رجل دولة ورجل قضية وطنية، وليس مبالغة أنه باستشهاده وحّد اللبنانيين، مسقطاً تلك النظرية/المراهنة على استحالة ان يجتمعوا على أمر. دع عنك نعيق غربان الخراب، لقد كانت "لبنانية" رفيق الحريري السبب الوحيد وراء اغتياله بالوحشية التي شهد عليها العالم ولبنان، وهي سبب كاف للقتل، لكنها اقترنت "بموجبات" أخرى، كعروبته مثلاً، وإيمانه بالدولة المدنية المتطورة المنفتحة، وعمله على النهوض بالوطن، وتعزيز موقعه، وتمكينه من الانخراط في حاضر العالم وحركة العصر، لذلك لم ير كثيرون من الصغار ان لبنان كبر معه في حضوره الخارجي والدولي وممارسته للديبلوماسية المباشرة مع أطراف العالم الرئيسيين، ولأجل ذلك عندما غاب بدا الفراغ كبيراً جداً الى الحد الذي لم يعد يظهر فيه هؤلاء فإذا بهم يستعيضون بالشتم والتطاول والذم …ولو بحق شهيد.

كالكبار الكبار، احتفظ رفيق الحريري حتى آخر لحظة من حياته بقدرته على التعلم من الكبير والصغير. وليس كبيراً في الحقيقة الا من يطلب الكبر في صدق المعاني والمقاييس اولاً وفي خدمة الاوطان والانسان، بعد ذلك. ولو رضي رفيق الحريري لعبة الخنوع أو الاستتباع لاستمر حياً بيننا اليوم.

في رائعة سرفانتس (1547-1605) "دون كيشوت"، تشخيص فذّ لذلك النموذج من المغامرين الحالمين، لكن الفاشلين على الدوام، الذين تصدر عنهم قرارات لا عقلانية. دون كيشوت، يوم اكتشف أنه لم يحقق ما حلم به وعمل لأجله انطلق يقاتل طواحين الهواء .. ولحظة احتضاره وبعد كل معاركه غير المظفرة تبرّأ بطل سرفانتس من "أشباح الجهل السوداء" التي جاءته من "القراءة في كتبي البغيضة عن الفروسية"، وندم على شيء واحد فقط، وهو عدم امتلاكه الوقت الكافي "لقراءة كتب أخرى يمكن أن تنير الروح".. فهل يفعل دون كيشوت 2010 ذلك؟

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل