إنها الرسالة الثانية في غضون أسابيع قليلة. الأولى كانت محلية وانطلقت من واقعة مطار رفيق الحريري الدولي عند عودة جميل السيد.
هذه أخطر وأكبر، ومباشرة كالتي سبقتها، ومضمونها يكمل مضمون الأولى: القرار بالتعامل مع المحكمة الدولية تغيّر جذرياً، وترجمة ذلك بدأت ميدانياً ومن دون إعلان واضح ومسبق، وفي ذلك مؤشر الى ما يمكن أن يكون الحال في حال صدور القرار الاتهامي ومذكرات الاستدعاء الناتجة عنه.
ولا يشي ذلك بدايةً إلا بعكس ما تحاول الماكينة الإعلامية والسياسية للممانعين إشاعته منذ أيام، من أن المسار التوتيري الكبير الذي اعتُمد في وجه الداخل اللبناني الرهينة قد أفلح أخيراً في إنتاج "إعادة نظر" في موعد صدور القرار الاتهامي، علماً أن المطلوب أكثر من ذلك، أي إلغاء ذلك القرار ووضع المحكمة في خانة خبر كان!.
.. لو كان ذلك صحيحاً (ونحن نفترض) لما حصل ما حصل بالأمس. وخارج تلك التسريبات لم يتأكد أي شيء. والقول الأول في هذا السياق لا يزال ساري المفعول: لا أحد أصلاً كان يعرف موعد صدور ذلك القرار كي يُقال الآن إنه تأجّل. ومنذ أسابيع قليلة قال المدّعي العام دانيال بيلمار كلاماً واضحاً لا لبس فيه مفاده أنه لم يكتب ذلك القرار بعد، وأن من يتحدثون في ذلك الشأن إنما يحاولون القول إنهم يعرفون ما يدور في داخل عقله.
لكن قبل كل ذلك، فإن ما حصل بالأمس في الضاحية الجنوبية يعتبر أخطر ما جرى مع المحكمة وآلياتها وأدواتها على الإطلاق، إذ إنها المرة الأولى التي يحصل فيها تماس مباشر مع المحققين الدوليين منذ بدء عملهم (السابق لإعلان قيام المحكمة) وهو معطى ستكون له تبعاته الأكيدة، وإن كانت غير معروفة ومحددة راهناً، لأن الأمر غير مسبوق.
كانت آليات محاولة تعطيل التحقيق ثم منع قيام المحكمة محصورة سابقاً في الداخل اللبناني وباتجاه السلطة التنفيذية الشرعية التي تولّت التفاوض مع المراجع الدولية المختصة.. وظلّت تلك المحاولات (ولا تزال) متجهة في ذلك المنحى، مهدّدة، منذرة، متوعدة ومطالبة تلك السلطة بنفض يدها من المحكمة تحت طائلة "الشر المستطير" (إياه). ولا مبالغة أبداً في القول إن مجمل الحركة المحلية والإقليمية والدولية ذات الصلة إنما تتمحور حول ذلك الهدف.. غير أنها المرة الأولى التي نشهد فيها تطوراً في تلك الآليات نحو الخارج مباشرة.
لا يُعتدّ كثيراً بتلك الحركات التي طالت منذ فترة قوات "اليونيفيل" ولوّحت بأخذ جنودها رهائن على خلفية موضوع المحكمة، وذلك بعد أن تبيّن أن الأمر قد يؤدي الى نتائج عكسية لجملة اعتبارات، منها الموقف المبدئي للجنوبيين عموماً وللرئيس نبيه بري وجمهور حركة "أمل" خصوصاً من تلك القوات.. ومنها التلويح (الصريح) بسحبها تماماً من الجنوب وترك القرار 1701 معلقاً على حبال النزاع مع إسرائيل.
غير أن الرسالة الراهنة ستستدعي جواباً. ومثلما كان الحال سابقاً نفترض أنه سيكون لاحقاً: لم توقف كل التحركات الميدانية والسياسية على تنوّعها وخطورتها ودمويتها، لا مسار التحقيق ولا إعلان قيام المحكمة. ولا يُعتقد راهناً أن التعرض المباشر للأدوات الدولية لذلك المسار القضائي والعدلي سيؤدي الى نتيجة مختلفة، بل العكس ربما هو ما سيحصل. أي أن الاعتداء على المحققين قد يدفع بمرجعياتهم الى "الإسراع" في وضع خلاصاتهم وكشفها. ولا شيء حينها سيكون مفاجئاً لأحد، خصوصاً لهؤلاء الذين يفترضون أن الأمم المتحدة هي تنظيم صغير موجود في أحد شوارع بيروت، وأن صولة مجد قتالية واحدة يمكن أن تجهز عليه! الله يستر…