#adsense

زيارة الحريري لنيقوسيا تُعيد إلى الواجهة ملفات ديبلوماسية – اقتصادية … إطلاق “معركة السيادة” على الحدود البحرية وتنسيق مع سوريا وقبرص

حجم الخط

كتبت ريتا صفير في "النهار": اثار كلام رئيس الحكومة سعد الحريري من قبرص على أن لبنان سيعمل على ترسيم حدوده البحرية مع الجزيرة وسوريا مسألة سيادية اخرى تتناول حدود الدولة اللبنانية البحرية هذه المرة. والواقع، ان تصريح الحريري الذي كشف وضع اللمسات النهائية على المناطق الاقتصادية مع سوريا واثار فيه بعض الخلافات التي حصلت في شأن الاتفاق مع قبرص، آملا في اطلاق تراخيص للتنقيب عن الغاز مطلع 2012، سلط الضوء على مجموعة مسارات سياسية وديبلوماسية تتعلق بالملف وباشرت الحكومة اللبنانية العمل عليها، ضمنها وزارة الخارجية والمغتربين:
اولا: ترسيم الحدود البحرية مع سوريا، شمالا وهو ترسيم تقول مصادر مقربة من رئيس الحكومة انه سيبدأ قريبا كاشفة انه اثير خلال الزيارة التي قام بها الحريري لدمشق مع وفد وزاري. وفيما توقعت ترجمة عملية قريبة لهذه الخطوة، رجحت عقد لقاءات قريبة بين المسؤولين المعنيين في البلدين للوصول الى تحديد خط، واذا تبين ان ضمنه حقولا مشتركة، يتم اتباع القواعد المعمول بها لتقاسمها.

ثانيا: وقع لبنان وقبرص اتفاقا لترسيم الحدود البحرية بينهما والمنطقة الاقتصادية قبل اعوام. وقد حدد الاتفاق المنطقة الاقتصادية الخالصة مع الجزيرة، وفقا للمعايير الدولية. الا ان الملف اثار بعض المآخذ في ضوء الخلاف القائم بين قبرص و"جمهورية قبرص التركية" المعلنة من جانب واحد. وكانت ابرز تداعياته، عدم ابرام لبنان الاتفاق الذي تم التوصل اليه في مجلس النواب تفاديا للحساسيات التي قد تثيرها خطوة مماثلة. الى ذلك، تقول مصادر مواكبة ان زيارة رئيس الحكومة للجزيرة، تخللها عرض لتوقيع اتفاق ملحق بين لبنان وقبرص يحدد كيفية اقتسام آلابار المشتركة اذا وجدت.

ثالثا: تولى لبنان تحديد الخط الاساس والجهة الجنوبية من المنطقة الاقتصادية الخالصة التابعة له وارسال الخرائط الى الامم المتحدة، من طرف واحد، وهو اعلان تدرجه مصادر ديبلوماسية في اطار حفظ الحقوق اللبنانية حيال حقول الغاز والموارد الطبيعية المحتمل اكتشافها في المنطقة لجهة اسرائيل. وقد تضاعفت امكانات بروزها مع شروع شركات الطاقة باستثمارات بهدف استخراج كميات الغاز والنفط في الحقول المكتسبة في المنطقة الاقتصادية الخالصة التابعة لاسرائيل.

ومعلوم ان قبرص كانت عقدت اتفاقا مع مصر لتعيين حدودها البحرية ونظمت جولة تراخيص، واحدة للتنقيب في المياه العميقة شرق البحر المتوسط عام 2007 رغم معارضة تركيا، التي اعلنت بدورها أنها تعتزم بدء التنقيب عن النفط حول قبرص لكنها لم تحدد مكانا لذلك. وحددت الحكومة القبرصية 13 منطقة بحرية تعرض بيع حقوق التنقيب فيها.

ماذا في تفاصيل الملف؟
في الاساس، وقع لبنان وقبرص اتفاقا يرسم الحدود البحرية بينهما والمنطقة الاقتصادية قبل اعوام. وهذا الاتفاق حدد المنطقة الاقتصادية الخالصة مع الجزيرة، وفقا للمعايير الدولية، كما اخذ في الاعتبار اتفاق قانون البحار لعام 1982، ومضمون "الدليل المتعلق بالنواحي الثابتة لقانون البحار لعام 1982. وبحسب مصادر ديبلوماسية، وتفاديا لنزاع محتمل ان ينشأ حيال المنطقة الاقتصادية المرسمة، تم التراجع بمسافة 5 اميال من جهتي الشمال والجنوب، وفقا للمعايير الدولية نفسها المذكورة سابقا. واذا كانت علاقات الجوار مع الجزيرة القبرصية، فرضت خطوة مماثلة في الاعوام الماضية، فان اعلان شركات التنقيب عن النفط والغاز ومنها "نوبيل انرجي" اكتشاف حقول جديدة في اسرائيل، وتفاعل القضية سياسيا وديبلوماسيا حيال امكان الافادة من الثروات اللبنانية في هذا المجال شكل احد الحوافز الذي دفع بالديبلوماسية اللبنانية الى الشروع بخطوة من طرف واحد، تمثلت في تحديد المنطقة الاقتصادية الخالصة مع اسرائيل الصيف الماضي.

ويكشف ديبلوماسيون واكبوا الملف لـ"النهار" ان المبادرة اللبنانية هذه بدت ضرورية لحفظ الحقوق اللبنانية حيال حقول الغاز والموارد الطبيعية المحتمل اكتشافها في المنطقة، وهي حقول تضاعفت امكانات بروزها مع شروع شركات الطاقة باستثمارات بهدف استخراج كميات الغاز والنفط في الحقول المكتسبة في المنطقة الاقتصادية الخالصة التابعة لاسرائيل علما ان العملية لا تتماشى عادة مع الحدود الجغرافية للدول.

وفي استعادتها لتطور الملف على المستويين السياسي والديبلوماسي، تكشف المصادر الديبلوماسية انطلاق سلسلة اجتماعات في وزارة الخارجية والمغتربين برئاسة الشامي وحضور خبراء مختصين، منذ تموز الماضي، ركزت على 3 قضايا اساسية. اولاها مراجعة الاتفاق مع الجانب القبرصي. وثانيتها التشديد على اهمية اعداد خريطة تأخذ في الاعتبار المعايير الدولية الملحوظة في اتفاق الامم المتحدة لقانون البحار، فالاعتماد على "الدليل المتعلق بالنواحي الثابتة لقانون البحار لعام 1982" والتركيز على النقاط المتوازية جنوبا في تحديد الخطوط. وتمثلت ثالثتها في تحديد لبنان الجهة الجنوبية من المنطقة الاقتصادية الخالصة التابعة له وارسال الخرائط الى الامم المتحدة. وتوضيحا للتأويلات التي يمكن ان تكتسبها الخطوة في ظل النزاع القائم مع اسرائيل تؤكد المصادر ان المبادرة اللبنانية سعت الى حل الاشكالات القائمة او التي يمكن ان تنشأ مع اسرائيل، في القضية فيما يمكن حل اي امر مماثل بالتفاوض مع سوريا.

في سجلات الديبلوماسية اللبنانية، سلسلة وثائق وتقارير تبين في جانب منها ابعاد الخطوة التي اقدم عليها الجانب اللبناني، وغاياتها. قد يكون في مقدمها التقرير الذي تم ارساله الى منظمة الامم المتحدة في نيويورك، في 9 تموز 2010 مرفقا بخريطة مفصلة للحدود اللبنانية اعدها الجيش اللبناني بالتعاون مع الوزارات المختصة.

ويستند التقرير المذكور الى اتفاق الامم المتحدة لقانون البحار والذي وافق لبنان على الانضمام اليه في 22 شباط 1994، اضافة الى اتفاق البحار لعام 1982، فاتفاق بوليه نيو كمب الموقع في 3 شباط 1922 لتحديد الحدود الجنوبية، علما انه اصبح نافذا في 10 آذار 1923. وقد حدد النقطة البحرية في رأس الناقورة. ويفيد التقرير أنه تم تحديد الخط الاساس انطلاقا من الخرائط المتوافرة وتحديد حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة من الجهة الجنوبية، كما ارفق بلائحة بالاحداثيات (coordinates) لحدود المنطقة الاقتصادية الخالصة التابعة للبنان من الجهة نفسها. وفيما تصف مصادر ديبلوماسية الترسيم الذي تم "بالاولي" ملمحة الى احتمال حصول تعديل في الخط الذي اودع الامم المتحدة، تعزو هذا التبدل المحتمل الى تغيير قد يفرضه استخدام تقنيات اكثر حداثة وتحديث الخرائط، بما يتناسب مع المصلحة اللبنانية. ومن هذه الزاوية، يمكن فهم كلام المندوب الدائم للبنان لدى الأمم المتحدة نواف سلام في آب الماضي والذي اعلن فيه (بالتزامن مع تجديد ولاية القوة الدولية في الجنوب) أن الحكومة اللبنانية سلمت الإدارة القانونية في المنظمة الدولية خرائط رسمية تبين الحدود البحرية للدولة اللبنانية، وذلك من أجل تثبيت حق لبنان وسيادته على كامل حدوده البحرية، وضرورة تقيد جميع الأطراف بهذه الحدود. واكد سلام أنه أبلغ أعضاء مجلس الأمن اعتراض بلاده على الخط الحدودي الذي وضعته إسرائيل من جانب واحد في المياه الاقليمية اللبنانية اخيرا، باعتباره انتهاكا للسيادة، وطالب بإزالته على الفور، معلنا تطلع الحكومة اللبنانية لما ستقوم به "اليونيفيل" في هذا الشأن من أجل تأمين احترام اسرائيل للحدود البحرية اللبنانية.

طبعا، يقود هذا الكلام الى اثارة سلسلة اسئلة في مقدمها اي قيمة للترسيم من جانب واحد؟ واي دور للقوة الدولية في هذا الملف؟
رغم اقرار المصادر الديبلوماسية بأن هذا الترسيم جاء من طرف واحد، فهي تعتبر ان الخطوة هي بمثابة رسالة الى الشركات العاملة لجهة عدم قدرتها على الاستثمار في المنطقة دون الاخذ في الاعتبار حق لبنان في هذا الشأن ولا سيما في الآبار الخلافية. كما انها تذكر بأن الترسيم راعى المعايير الدولية، في وقت يبقى الهدف الاساس حفظ حق لبنان في موارده الطبيعية في الناحية الجنوبية من المنطقة الاقتصادية الخالصة العائدة اليه.

وعن تداعيات هذه الخطوة، تكتفي المصادر بالاشارة الى الحوار الذي حصل قبل فترة بين لبنان والقوة الدولية، عقب اعتراض لبنان على خط العوامات الذي فرضته اسرائيل من طرف واحد، في المياه الاقليمية. يومها، ردت "اليونيفيل" بأن هذا التحديد لا يدخل ضمن ولاية انتدابها، رغم اعتبار الخارجية اللبنانية عكس ذلك انطلاقا من تطبيق ولاية المكون البحري. وبموجبها، والقول لمصادر الخارجية، يفترض ان تدرك القوة الدولية الحدود التي تتوقف عندها هذه الولاية، لافتة الى أن الحوار لم يبلغ خواتيمه.

وردا على المعلومات التي صدرت اخيرا في الصحف الاسرائيلية والتي اعتبرت ان لبنان تنازل عن حقوقه في الترسيم الذي تم، تقول ان الجانب اللبناني كان ابتعد 5 اميال من الشمال والجنوب، خلال محاولة تحديد المنطقة الاقتصادية الخالصة التابعة له. لكنها تكشف ان السلطات اللبنانية وتحديدا وزير الخارجية والمغتربين عاد وارسل في (12-10-2010 ) خرائط معدلة الى بعثة لبنان الدائمة لدى الامم المتحدة للجزء الجنوبي من الحدود البحرية الغربية للمنطقة الاقتصادية اللبنانية الخالصة. ومما جاء في القرار: "بناء على قرار مجلس الوزراء رقم 3 المنعقد في جلسته العادية في 4 تشرين الاول 2010 والذي تضمن تأكيد مضمون قراره السابق رقم 15 في 30-6-2010 المتعلق بالموافقة على التقرير الذي اعدته اللجنة المشتركة للجزء الجنوبي من الحدود البحرية الغربية للمنطقة الاقتصادية اللبنانية الخالصة، والخرائط المرفقة به، اضافة الى ايداع الامم المتحدة خرائط الجزء الجنوبي من الحدود البحرية الغربية للمنطقة الاقتصادية اللبنانية الخالصة، نودعكم الخريطتين العائدتين الى الجزء الجنوبي من الحدود البحرية الغربية للمنطقة الاقتصادية اللبنانية الخالصة، مرفقة بلائحة احداثيات، واحدة للنقاط المحددة للحدود البحرية الجنوبية والثانية للجزء الجنوبي من الحدود البحرية الغربية للمنطقة الاقتصادية اللبنانية الخالصة، كما هو موضح على الخريطتين. يرجى ايداع الامم المتحدة الخرائط والتقرير ولائحة الاحداثيات جانب الجهة المختصة لدى الامم المتحدة وايداعنا نسخة عن ايصال استلام الوثائق".

سوريا
اذا كان لبنان حسم من طرف واحد حدود الجهة الجنوبية للمنطقة الاقتصادية، فان ثمة واقعا مختلفا شمالا، لجهة الحدود السورية. تتحدث المصادر عن انفتاح سوري للشروع في التفاوض حيال المسألة من منطلق ان ترسيم الحدود البحرية مفيد للجانبين، "واذا برزت آبار مشتركة، قد يحصل استثمار مشترك لها او يتم الشروع في اتفاقات عن كيفية تقاسم ثرواتها". وفي وقت يبقى ترسيم الحدود البرية عالقا بين البلدين، تنفي المصادر الديبلوماسية وجود اي علاقة بين "الترسيمين"، باعتبار ان الشأن البحري اقل تعقيدا ويمكن الوصول الى الخط الاساس عبر نقطتين جغرافيتين، مع الاخذ في الاعتبار المعايير الدولية.

قبرص وتركيا
عمليا، سلمت "الجرة" السورية هذه المرة… لكن الملف اثار مآخذ من نوع آخر في ضوء الخلاف القائم بين قبرص و"جمهورية قبرص التركية" المعلنة من جانب واحد. وتكشف المصادر الديبلوماسية النقاب في هذا الشأن عن ملاحظات اثارها الجانب "القبرصي التركي"، اثر المفاوضات التي شرع فيها لبنان مع الدولة القبرصية، لتحديد الحدود البحرية والمنطقة الاقتصادية، واغفاله الشطر "القبرصي التركي". وكانت ابرز تداعياته، عدم ابرام لبنان الاتفاق الذي تم التوصل اليه مع قبرص، في مجلس النواب تفاديا للحساسيات التي قد تثيرها خطوة مماثلة. وكانت الخارجية اللبنانية تلقت في 17-9-2008 رسالة من الجانب القبرصي يسأل فيها عن مصير الاتفاق الذي تم توقيعه بين البلدين وما اذا تم تصديقه في مجلس النواب اللبناني ودخل حيز التنفيذ. كما افادت ان الحكومة القبرصية قامت من جهتها بواجباتها في هذا الصدد (اي تصديق الاتفاق، مع غيره من الاتفاقات وبروتوكالات التعاون) في مجلس النواب.

المصدر:
النهار

خبر عاجل