ليس الخطير أن يُعلن السيد نصر الله أن حزب الله يرفض التعاون مع لجنة التحقيق الدولية، بل الخطير أن يطالب اللبنانيين بمقاطعة المحكمة الدولية ولجنة التحقيق تحت توصيف أنها إسرائيلية، وبهذا سيكون كل لبناني يدلي بشهادة أو يقدم معلومات إلى لجنة التحقيق الدولية "عميلاً" لإسرائيل وكل تعاون مع المحكمة هو "تعاون" مع إسرائيل وبالتالي يستطيع حزب الله تحت هذا العنوان تنفيذ عمليات "تصفية" لكل هؤلاء العملاء!!
ما قيل بالأمس هو "رخصة" إن لم يكن "فتوى شرعية" بل "تكليف شرعي" يُتيح تنفيذ عمليات قتل لكل اللبنانيين الذين يطالبون بالعدالة والمحكمة، ولا يحتاج المنصت إلى كلام نصر الله أن يفهم من مطالبته اللبنانيين بمقاطعة المحكمة مقرونة بالعمالة لمصلحة إسرائيل سوى أنه سيتم التعامل معهم على هذا الأساس.
قد يقول البعض مبسطاً الأمور ومهوناً الموت: لم يقل أمين عام حزب الله جديداً على صعيد وقف التعاون مع لجنة التحقيق الدولية، فهو منذ العام 2005 رافض في الشكل والمضمون لإجراء أي تحقيق في اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وكل جرائم الاغتيال اللاحقة، وسبق وقدّم عرضاً مموّهاً طالب فيه بلجنة تحقيق عربية، لأن تعطيلها "ولا أسهل من هيك" ما بين عرب اعتدال وعرب ممانعة، وهو منذ تم استدعاء بعض عناصر الحزب ومقربين منه إلى التحقيق "أدرك ما أدركه" وما يحاول قطع الطريق عليه الآن، إعلان القطيعة مع المحكمة كان قراراً متخذاً مما حدث أمس الأول و"هجمة النسوان" كان "الدوبارة" التي تم ترتيبها واتخاذها سبباً للقطيعة، أما كلام السيد حسن نصر الله بالأمس فما هو إلاّ "الديباجة" والتأطير لموقف متخذ سابقاً وجرى إعلانه أمس…
عملياً؛ ما أعلنه أمين عام حزب الله يرفع درجة الخطورة على لبنان دولة وشعباً ومؤسسات إلى الذروة لأنه يلغيها كلها، ويضع في كلمة واحدة رقبة "المسؤولين" و"المواطنين" ووريد لبنان على حد سواء تحت رحمة "سكين" يخرجه حزب الله من "كمه" – حين تقتضي مصالحه – ليذبح بها اللبنانيين ومصيرهم ومصير وطنهم تحت عنوان سبق وجربناه في 7 أيار 2008 بذريعة السلاح لحماية السلاح، وهذه المرة عنوانه أشد خطورة بكثير، فالعنوان يتلخص في أن "كل تعاون مع المحكمة الدولية هو مساعدة على الاعتداء على المقاومة"…
وقد تكون "غطرسة" القوة والسلاح هيأت لحزب الله أنه يستطيع تهديد وتخوين وتخويف كل الشعب اللبناني الذي لا يوافقه الرأي والموقف، إذ يُدرك اللبنانيون أن لا خيار لهم، وقد أخطأ حزب الله كثيراً عندما ظن أنه بهذا الموقف "حشر" اللبنانيين بين خيارين لا ثالث لهما، وفي توقيت شديد الدقة بالنسبة له ولسلاحه، وفي لحظة أعاد فيها مجلس الأمن وضع القرار 1559 "بعبع" حزب الله وسواه – على طاولة مجلس الأمن، فمنذ العام 2004 حزب الله يختبئ في "عب" الدولة اللبنانية، ويستظل مقولة الدولة اللبنانية التي أعلنت سلفاً عجزها: "سلاح حزب الله شأن داخلي يحله اللبنانيون بالحوار في ما بينهم"، بعد ما قيل بالأمس لن يقبل اللبنانيون وبعد مرور ست سنوات من العجز عن الوصول إلى "حل بالحوار الداخلي" لسلاح باتت مهمته التسلط على اللبنانيين وتهديدهم علناً جهاراً نهاراً!!
لم يعد مقبولاً استمرار الأوضاع في التعكز على هذه المقولة أو على "خديعة بلاغة لغوية" اسمها: "شعب جيش مقاومة"، بل حان الوقت ليقف اللبنانيون في وجه غطرسة السلاح، فالاستمرار على هذا المنوال سينهي وجود لبنان وشعبه والدولة اللبنانية!!
فما أعلنه بالأمس، أمين عام حزب الله خطير إلى أقصى الدرجات ولا يُرد عليه يا دولة الرئيس سعد رفيق الحريري إلاّ باستقالة الحكومة من أجل حماية لبنان وشعبه، إستقل يا دولة الرئيس فقد جاءت ساعة الحقيقة.. إستقل يا دولة الرئيس من أجل لبنان دولة وشعباً ومؤسسات، ومن أجل دماء كل الذين استشهدوا على طريق المطالبة بالحقيقة والعدالة.