#adsense

وادي الوحدة..

حجم الخط

مكابر مغرور من يفترض أن اللبنانيين إسبارطيون بالفطرة. أهل حروب ونزالات وجولات وصولات في القتل والطعن ودربكة الخيل.
ومكابر مغرور أو مشتبه من يفترض أن هؤلاء اللبنانيين هم أقوام وشعوب وقبائل وأفخاذ موزعون "مشاعرياً" كما تتوزع طوائفهم ومذاهبهم ومناطقهم وأحزابهم وتلاوينهم الطبقية.

.. إنهم في الإجمال أسرى جغرافيا حسيّة واحدة. لا فصام فيها ولا فكاك ولا حدود ولا تمايز. أسرى محصورون في واد بين جبلين من القلق المتأتي من عبث اللحظة ورعونة المكان ودهاء التجار. يختالون بتمايز شكلي عابر، كلٌ لأسبابه وحساباته و"طاقاته"، لكنهم ينامون جميعاً في كنف ذلك الوادي. وكلٌ منهم ينتظر دحرجة ما تطمر مسارب الريح وتحجب نور الشمس والحياة.

يفترض البعض عندنا وعند غيرنا، أن التوتير المنهجي، وإطلاق الوعود التخريبية الواضحة، وتقديم مطالعات التفخيم بالحرب وآلتها وثقافتها، والإصرار على ذلك التنغيم الكئيب في الصوت والصورة وعلى مدار الساعات والأيام.. إن كل ذلك يمكن أن يؤدي الى شيء منتج في السياسة، وإلى تدعيم "المشروع" المقاوم في وجه الآخرين والأغيار، بل يفترض هؤلاء ما هو أكثر من ذلك، ويعتمدون في ترجمة فرضياتهم على نظريات جرّبها قبلهم فطاحل الأنظمة التوتاليتارية والشمولية لكن النتيجة الأخيرة جاءت مرادفة للخيبات المريرات ليس إلاّ.

لا يفلح مشروع سياسي، إذا ظل أصحابه يفترضون أنهم يخاطبون جمهوراً يعيش في كرنتينا ذهنية وليس في وطن. ولا تمشي الوعود الخلاصية أمام من لم يعمّر بيته المدمّر بعد. كما لا يمكن تقديم مشروع وهم يعِد بموائد عامرة أمام بطون خاوية ومنفّضة.. الخلاصات الواضحات لكل ذلك الضجيج التعبوي هي إشاعة مناخ مموّه وغشاش، ظاهره قابل وباطنه رافض. أو بشكل أدقّ ينتج حالة انفصام عامة، حيث أن حالة الطوارئ المستدامة تُحيل المتلقي الى مكان ملتبس: يريد النزال مع نصف الكرة الأرضية، ويتلقف الضخ التوتيري بانشراح غامر، وفي الوقت نفسه يطرح أسئلة "كبيرة" وكئيبة عن هموم العيش… عن الطريق والمدرسة وإيجار البيت والغلاء والسفر والهجرة، وما الى ذلك من تفاصيل عاديات الأيام والناس!

مشتبه كبير من يفترض أنه استطاع أن يبني "شخصية عامة" مرادفة أو موازية لترسانته ونهجه التعبوي وخطابه القطعي. وإنه بعد ذلك نجح في ترجمة تمايزه المسلّح من خلال إنتاج بيئة متمايزة عن البيئات الأخرى.

.. ومشتبه أكبر من يفترض أنه يستطيع تقسيم لبنانيي هذه الأيام حسياً ومشاعرياً تبعاً لجغرافيتهم ومذاهبهم وطوائفهم.. أو بين إسبارطيين وأثينيين، فيما هم جميعاً أسرى مقيمون في ذلك الوادي غير المقدّس المحاط بجبلين من قلق لا يفنى!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل