بعد دعوة نصرالله إلى مقاطعة لجنة التحقيق الدولية
لماذا مطلوب التوافق على ملفات والحسم بالتصويت على أخرى ؟
تنظر أوساط رسمية وسياسية وشعبية الى موقف الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله الذي دعا فيه الى مقاطعة لجنة التحقيق الدولية في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه من زاويتين: إما ان تكون هذه الدعوة الموجهة الى اللبنانيين تترك لهم حرية الاختيار بين استجابتها او عدم استجابتها، فهذا شيء، وإما أن تكون موجهة اليهم لاستجابتها والتزامها وإلا… فهذا شيء آخر.
الواقع ان من حق كل حزب او تيار او فريق ان يدعو الى اعتناق اي مذهب او دين، لكن ليس من حقه ان يفرضه على الآخر، ومن حقه ان يدعو الى اي مشروع والى قيام جمهورية اسلامية او اشتراكية او ديكتاتورية او ديموقراطية، ولكن ليس من حقه ان يفرض رأيه هذا على فريق آخر الا بالطرق الدستورية ومن خلال المؤسسات وليس باستخدام القوة لانه يمتلكها وحده، اما اذا كان الفريق الآخر يمتلكها فعندها تقع الحرب الداخلية. فاذا كان الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله يدعو الى مقاطعة لجنة التحقيق الدولية فهذا حقه وموقفه، شرط ألا يفرض رأيه على الآخرين اذا لم يكونوا مع هذه الدعوة. ومن حقه ايضا ان يلجأ الى المؤسسات الدستورية (مجلس الوزراء ومجلس النواب) ليطرح هذا الموقف على المناقشة حتى اذا ما تعذر التوافق عليه كان من حقه ايضا ان يطلب حسم الخلاف في شأنه بالتصويت، سواء في مجلس الوزراء او في مجلس النواب. لكن عليه ان يتذكر انه هو من الداعين الى ترك الملفات الشائكة جانبا عند تعذر التوافق عليها، حتى ان اللجوء الى التصويت يكون بالتوافق ايضا، لئلا تنعكس نتائجه على الوضع الحكومي وبالتالي على الامن والاستقرار في البلاد. فاذ كان سلاح "حزب الله" هو موضوع خلاف بعدما كان موضوع اتفاق، فقد تعذر حسم الخلاف في شأنه حتى الآن، وهو خلاف ادى الى تعذر الاتفاق على الاستراتيجية الدفاعية لسنوات، ومع ذلك، فان هذا الخلاف لم يحسم بالتصويت لا في مجلس الوزراء ولا في مجلس النواب ولا في هيئة الحوار الوطني، لان لنتائج التصويت تداعيات خطيرة، والقرار الذي ينال من اصوات الاكثرية المطلوبة قد يبقى من دون تنفيذ، لذا يستمر الخلاف على موضوع سلاح "حزب الله" ويستمر الحوار في شأنه ويبقى هذا السلاح في مكانه… كذلك الامر بالنسبة الى المحكمة الدولية الخاصة بلبنان التي أجمع اللبنانيون على انشائها حرصا منهم على معرفة الحقيقة في جريمة اغتيال الرئيس الحريري ورفاقه، ثم اختلفوا عليها وانقسموا بين مصرّ على بقاء هذه المحكمة لانها المرجع الوحيد لمعرفة الحقيقة وتحقيق العدالة، ومُطالب بالغائها لانها باتت فاقدة الصدقية ويصفها بانها اميركية واسرائيلية، لكن هذا الخلاف لا يمكن ان يحسم بالتصويت، تماما مثل الخلاف على سلاح "حزب الله" الذي يبقى في يد الحزب ما بقي الخلاف في شأنه، وهو خلاف محلي وعربي واقليمي ودولي، والمحكمة باقية ما بقي الخلاف في شأنها خصوصا ان حسم هذا الخلاف بالتصويت، لم يعد شأنا لبنانيا بل شأنا دوليا.
لذلك ينبغي التفاهم مع "حزب الله"، إما في مجلس الوزراء او في هيئة الحوار الوطني او في مجلس النواب أو في مؤتمر وطني موسع على الآلية الدستورية التي ينبغي اعتمادها لحسم الخلاف حول هذين الموضوعين المهمين. فاذا صار اتفاق على التصويت، فهذا ينبغي ان يسري عندئذ على سلاح "حزب الله" وعلى المحكمة واذا كان التصويت له تداعياته، فلا بد عندئذ من الاستمرار في الحوار الى ان يحصل توافق ويحين اوان الظروف الملائمة للمعالجة والحل، خصوصا ان سياسة التوافق هي السياسة التي دعا اليها "حزب الله" وتم تعليق النظام الديموقراطي من اجلها.
وكما ان اللبنانيين متفقون على محاذرة الاقتراب من سلاح "حزب الله" حرصا على السلم الاهلي، ورغم نص اتفاق الطائف ونص القرارات الدولية، ولاسيما القرار 1559 والقرار 1701، وانتظار تحقيق السلام الشامل في المنطقة ليكون مدخلاً طبيعيا لحل معضلة هذا السلاح، فإنه ينبغي الاتفاق على ان يبقى موضوع المحكمة الدولية الخاصة بلبنان مثل سلاح "حزب الله"، خارج حسم الخلاف في شأنه بالتصويت، حرصا ايضا على السلام الاهلي والاستقرار وانتظار صدور القرار الظني كي يبنى على الشيء مقتضاه.
هذه هي المعادلة العادلة والمتوازنة التي يجب اعتمادها لإخراج البلاد من لعبة الامم على ارضه كما يصفها البعض، او من اعادة جعله ساحة لحروب الآخرين… فاذا كان لا حل لمشكلة سلاح "حزب الله" الا بالتوصل الى تحقيق سلام شامل في المنطقة او اقله تحقيق انسحاب اسرائيل من باقي الاراضي اللبنانية التي تحتلها اذا كانت وظيفة هذا السلاح هي لتحقيق ذلك فقط، فلا حل لمشكلة المحكمة الدولية الخاصة بلبنان وقد انشئت بقرار صادر عن مجلس الامن، وهو قرار لا يمكن لبنان الا التزامه احتراماً للدستور الذي ينص على التزام مواثيق منظمة الامم المتحدة والجامعة العربية واحتراماً منه لقسم رئيس الجمهورية ولما جاء في البيان الوزاري للحكومة الحالية، وهو بيان لا يحق لفريق ان ينفّذ منه ما يشاء وان لا ينفذ ما يشاء.
ان دعوة السيد حسن نصرالله لمقاطعة لجنة التحقيق الدولية اذا كانت مجرد دعوة تعبر عن موقف واستجابتها اختيارية شيء، واذا كانت استجابتها ملزمة شيء آخر، والتعبير عن ذلك يكون باتخاذ خطوة لاحقة تدعو مجلس الوزراء الى اتخاذ موقف من هذه الدعوة، وهو موقف قد يعرض الحكومة للاستقالة، ومن بعدها الفراغ الذي يقود البلاد الى الفوضى. وهذا يطرح سؤالا حول مصير اتفاق الدوحة الذي يمنع ذلك، كما يطرح سؤالا عن مدى مفعول معادلة "س – س" ومعادلات اخرى لضمان الامن والاستقرار في لبنان. فهل ينتظر اللبنانيون اذا كانوا عاقلين وقد اتعظوا من دروس الماضي حلاً لمشكلة سلاح "حزب الله" يأتي به السلام في المنطقة، وينتظرون صدور القرار الظني عله يأتي بحل لمن يريد معرفة الحقيقة.