خطوة نصرالله تثير التحدّي الأساسي في التزامات لبنان الدولية
الأزمة إلى موقع متقدّم مع تراجع صورة الدولة
لم تصدر الدولة اللبنانية عبر أي من سلطاتها او مؤسساتها اي موقف تعليقا على مطالبة الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله بالمقاطعة الرسمية والشعبية للجنة التحقيق الدولية، في حين ان الاتفاقات التي عقدتها الدولة مع المؤسسات الدولية تحتم عليها ان تقول في المقابل انها هي التي تقرر وهي التي تنفذ القانون وهي التي تحمي المواطنين بموجب القانونين اللبناني والدولي. ولم يعلن عن اي اتصالات جرت بين المسؤولين، وان كان البعض يجزم بحصولها بعيدا من الاعلام كما لا يعتقد ان الموضوع يمكن ان يدفع مجلس الوزراء الى اتخاذ موقف منه. والتفسيرات لذلك يمكن ان تتفاوت بين عدم رغبة اي مرجع أكان رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان او رئيس الحكومة سعد الحريري في توسيع شقة الخلاف او زيادة الامور صعوبة، وبين الرغبة في استيعاب الوضع ومنع عدم تفاقمه. وهو امر مفيد وجيد في هذه المرحلة في رأي متابعين كثر علما ان لا رئيس الجمهورية يدخل علنا في اي نقاش او جدل في واقع الانقسام السياسي الحاصل ولا رئيس الحكومة يرد على ما يتعرض له او يستهدفه وهو التزم سياسة الابتعاد عن ابداء اي رد فعل سلبي او ايجابي منذ حديثه الصحافي الاخير. لكن التفسير الابرز ايضا والذي سيفيد منه "حزب الله" ليسجل مكسبا في خانته ان السلطة الرسمية التي تضع القوانين وترعى تنفيذها انكفأت امام السلطة الاخرى اي سلطته التي وضعت قواعد وحذرت اللبنانيين من تخطيها. كما ينسحب التفسير نفسه على واقع ان لبنان يصل اكثر فاكثر الى موقع متقدم حيث الدولة ليست اكثر من اطار شكلي للسلطة بالتزامن مع تضييق اكثر فاكثر لحدود دولة الشراكة والتوافق باتت تطاول اكثر من قرار الحرب والسلم الى مسائل وامور اخرى.
وتقول مصادر ان نموذجا اوليا لذلك حصل في حادثة المطار حيث لم تنفذ مؤسسات الدولة المذكرة التي تم التذرع بها من اجل تصعيد الوضع حول موضوع "شهود الزور ". لكن الموقف الاخير للسيد نصرالله يكتسب بعدا اكبر من حادثة المطار لانه يطاول وضعا لعدد لا بأس به من اللبنانيين سيضع الدولة امام امتحانات مختلفة وتحديات صعبة في الداخل من حيث التساؤل اذا كانت الدولة ستحمي هؤلاء الناس ام لا بكل ما يعني ذلك من مترتبات على المراجع السياسية في الرئاسات الثلاث ومسؤولياتهم الدستورية كما امام المجتمع الدولي حين يتعرض اي مواطن او مسؤول على تماس مع المحكمة والتحقيق الدولي لمضايقات او ما شابه وتضطر ان تعود المحكمة مثلا الى مجلس الامن بحيث يتعين على لبنان، العضو في مجلس الامن للسنة الحالية والسنة المقبلة، ان يحدد موقفه من الاتفاقات الدولية التي التزمها وما اذا كان مستمرا في التزامها او فقد القدرة المادية والمعنوية لذلك علما ان ما جرى في النقاش قبل يومين حول التقرير عن القرار 1559 بدا وكأنه جرى خارج موقف لبنان الرسمي من موضوع هذا القرار. وهذه مسائل على مستوى من الخطورة بالنسبة الى لبنان.
ولا تقلل مصادر معنية أهمية الخطوة التي اقدم عليها السيد نصرالله من حيث امكان تأثيرها في مواقع عدة والتي تعد نقلة في الخط البياني المعتمد من الحزب. فهناك ترقب منذ زمن لأي من الخطوات سيتم اللجوء اليها لتعطيل عمل المحكمة ووقف صدور القرار الظني علما ان المعطيات تفيد عن بالونات اختبار ترمى حول امكان استخدام الاغلبيات وتغييرها في الحكومة او مجلس النواب. ولا تزال كل الاحتمالات واردة في ضوء الحسابات التي يجريها الافرقاء المعنيون من امكان الحصول على توصية من مجلس النواب من اجل استعادة الاتفاق الموقع بين لبنان والامم المتحدة بحجة مراجعتها او تعديلها. او حتى امكان الدفع بالامور عبر الحكومة وكيفية الحصول على ذلك عبر رئاسة الحريري لها ام لا بغض النظر عن التجاوب الدولي مع اي موقف يمكن ان يتخذه لبنان في ضوء ذلك أكانت الحكومة الحالية هي صاحبة الموقف او مجلس النواب. اذ تفيد معطيات ديبلوماسية ان الكلام الذي قيل في مجلس الامن او البيان الذي اصدره الامين العام للامم المتحدة بان كي مون والذي اعتبر ان "الهجوم على لجنة التحقيق يعكس مدى التدخل والترهيب وهو امر غير مقبول" يشي باحتمال تجاهل المجتمع الدولي لأي موقف يصدر قسريا عن الحكومة في ظل هذه الظروف او اي توصية تصدر عن المجلس النيابي خصوصاً متى كانت التوصية او القرار يستند الى اغلبيات ملتبسة. وقد كان الرد الفرنسي على موضوع ما نقل عن التوافق اللبناني واضحا وحاسماً في هذا الاتجاه كما رد الفعل الدولي على اي سيناريوات داخلية للتأثير على عمل المحكمة.
هناك تفسيرات ايضا حول الموقف الذي اطلقه السيد نصرالله تتصل بواقع انه بمقدار ما يمكن اعتباره استباقيا لاي قرار ظني مرتقب فيمكن اعتباره ايضا تموضعا لاحقا ينسحب على مرحلة ما بعد صدور القرار الظني من حيث منع التعاطي مع كل ما يتصل بنتائجه وتحريم ذلك على لبنان بمسؤوليه ومواطنيه. وهذا يفتح بدوره الامور على جملة احتمالات وتداعيات من غير الواضح كيف يمكن ان تؤثر وماذا يمكن ان تغير في مجرى الامور.