#adsense

الجنرال الذي فَقَدَ ظلّه!

حجم الخط

والله إنه يشرقط في توتره العالي، ألمعَ من البرق، جنرال "المنار"، و"النور" و"النار"، هذه الأيام. يشرقط بكل عينيه ومناخيره وزلاعيمه وقدميه وأصواته "المستعارة". يشرقط، جنرال "الفحم" و"التفحيم"، في كل اتجاه، وفي كل "تاريخ" بلا كلل وتعب. بحميةِ من "بلغ" السؤددَ، والمجدَ… أو بشجاعة من سقط من القطار. إنه ميشال عون، بكل تألق "عصابه" وأعصابه وازدهاره "الميغالوماني" وتوتر "أربابه". فهذا الجنرال ها هو كعادته، ودورياته، يُعاود مشحوناً "ببطاريات" "إلهية" عندنا، أو إقليمية، وربما أبعد (عندما يصل إلى منابت رفيقه في النضال والعمل الإسرائيلي فايز كرم. والجنرال ربما كان قبله هناك)، نبش الملفات، وكشف العهود السابقة، وعلى عدة خطوط مستقبلية.

إنه يحاول تشويه إنجازات الرئيس الشهيد رفيق الحريري، الإعمارية والاجتماعية، والشعبية والتعليمية… والوطنية والشخصية. وهذا طبيعي لمن لم يُحقق في حياته "المعطلة" (بالإذن من الشاعر عبدو وازن) سوى الفشل، والخراب والدمار. حياة من حروب خاسرة في سوق الغرب وسواه.

هزائم في حربين متتاليتين: حرب الإلغاء وحرب التحرير المزعومة ضد السوريين. ومحصلة هزائمه تدمير المنازل وقصف الملاجئ وتهجير اللبنانيين وتقسيم البلد عبر حكومة "طائفية".. "عسكرية" ألفّها، وثلاثة أرباع البلد ضدها. كأنه دشن أول عملية تقسيم رسمية في لبنان وحتى في العالم العربي.ومصيبة عون، أن الحريري، بعد الطائف، عمّر ما دمرّه هذا "المُفَهرَر"، عندما عاد من منفاه ورأى أن الخراب الذي أحدثته فِتنُه في البلاد، قد أعيد بناؤه… "أخذ على خاطره". وتألم.. وعانى: ذلك أن هذا الجنرال لم تعتدْ عيناه ألاّ التمتعَ بالخراب، والموت، والدم، ولم تتكحلا إلاّ بحروب عبثية تنتهي وأخرى تبدأ. أكثر: أعادته إلى لبنان ثورة 14 آذار، فارتعب في داخله، عندما وجد أن البلد بات يتمتع بالسيادة، والاستقلال، ذلك أن هذا الجنرال المُدمن الارتباط، ساءه وجرح مشاعره، وكذّب آماله، أن يرى بلاده بلا وصايات: فهو الذي تنقل كما يقال من الوصاية الإسرائيلية عندما كان "أليفاً" معلناً، وخليلاً لجيشها الذي غزا لبنان، فإلى صدام حسين، ثم بحث في إمكانية أن تستظله الوصاية الأميركية فلم يُفلح، ثم الوصاية (أو قبل) الفرنسية فلم يُفلح أيضاً، ها هو يعود مظفراً، في صفقة مع 8 آذار، ومع مَن وراء 8 آذار، أملاً بتنفيذ وصية الوصايتين، وتعيينه، (كما أيام النظام الأمني المشؤوم) رئيساً للجمهورية. لكن تجري الرياح بما لا يشتهي الجنرال: صُعق: الخراب عمرّه رفيق الحريري والشعب اللبناني، والوصايات ترحّلت، فماذا يتبقى لمُتعِه، ولأحلامه "البرتقالية" ذات العصير الأسود، سوى أن يحاول أن يُعيد عقارب الساعة إلى الوراء؟!. رائعٌ أن ينعق من جديد بما يختلجه من غرائز التخريب، وحواس العبودية: (هناك أناس يرفضون حريتهم، فلماذا لا يكون الجنرال في صلبهم؟) فاندمجَ حتى "الصوفانية" في مخططات 8 آذار لتدمير الدولة، وإحداث انقلابات على الطائف، وعلى النظام والكيان والسيادة والاستقلال والعدالة.. وطبعاً الإعمار! فكانت حركة العبسي في نهر البارد. (وتعرفون من وراءَها) وهنا تململت أحلام جنرال الهزائم: لعلّ في هذه الحركة بداية تمرد… رائع! فلربما تُّنفّذ هذه الوصاية أو تلك "وصيتها" بعد هذه الحركة. لكن سُدًى. اندحر العميل العبسي. واندحرت معه أحلام وأحلام، ومنها "مُنية" زغلول الرابية. لم ييأس. فلنندمجْ أكثر بقرار 8 آذار وحزب الله… فلنحتّل الوسط التجاري، ونخرّب الاقتصاد ويهرب السواح والمستثمرون. اعتصمت "قبعة" الجنرال هناك. ثم، فلنحاول تسكير المجلس النيابي فهو غير شرعي. وهكذا كان. ارتاح أبو الميش فهذا الإنجاز أراح ضميره الوطني وحرك "قبور" أمنياته الرئاسية، فلعل في ذلك ما يقلب الأمور.

لم تنقلب. إذاً، فلنهجم على السرايا… ونحاصرها؛ وهجم مع من هجم منفوخاً بالسعادة والمسّرة، مبهوراً بهذه القدرة على التعطيل. وبين كل ذلك كانت اغتيالات لرموز 14 آذار. رائع! فلربما تقلص هذه الجرائم الأكثرية النيابية فتصير "أقلية"، وعندها قد يتسرب إلى الرئاسة الأولى. لكن لم يوفق ذو القبعة النابوليونية. فلنكمِل مشوار الانقلاب في 7 أيار. وكان صوته الأول في إعلان البيان الأول. البيان الانقلابي رقم واحد، وما طمأنه أن كل الذين نفذوا ذلك الغزو من خريجي "جامعات" الانقلابات والبيانات رقم واحد وأكثر!: "طنجرة ولقيت غطاها".. وأحسّ عون بأن كأس الرئاسة اقتربت من شفتيه. لكن اكتشف بعد مؤتمر الدوحة أن الكأس انكسرت بين أسنانه وأعطيت الرئيسَ ميشال سليمان. لم يصدق بادئ الأمر. حاول أن يخربط. ويؤجل قرار الاتفاق على الرئيس في الدوحة ويهدد ويناور.. ابتلع "الموسى" وأكل موسى الكوسى! غريب، كيف تفشل كل هذه "الإرادات" التخريبية؟! لكن بقيت ربما المحكمة الدولية! أبو الميش وحزب الله، و8 آذار و14 آذار إذّا وافقوا عليها بالإجماع. لكن، مع هذا، كأنما، كانت كل المحاولات الانقلابية على مدى أربع سنوات هي بيت قصيد المحكمة. حتى جاءت اللحظة الحاسمة: القرار الاتهامي. ومن هنا، تعويل على ضرب المحكمة لتضليل العدالة أولاً، واستباحة دم اللبنانيين ثانياً، ونسف القضاء اللبناني وتحطيم أسس الدولة، وتعديل المواثيق والنظام.. وصولاً ربما إلى الكيان. فلربما في هذه الفوضى يكون له، أي للجنرال، أن يعتلي، ولو كرسياً رئاسياً، مثقوبة: فهو يحب الثقوب.. لكن يحب "الجيوب" المنفوخة.

عال! إذاًَ، عون، اليوم، (يا أُبهّة) في أبهة تورد حملاته، المتشظاة في كل اتجاه: قيل له أو أُملي عليه، أو أُمر بتشويه عهد الرئيس الشهيد، فنطق بصوت من دفشه إلى الصورة. وقيل له، أو أُملي عليه، أو أُمرَ بشتم 14 آذار، فزايد على من دفعه إلى هذا الموقف تيمناً بالمثل "مَلَكيٌّ أكثر من الملك". وقيل له، أو أُملي عليه، أو أُمرَ، أو امتثل لأمر، بأن يسفِّه عهد السنيورة، ويلوث سمعة الحكومة السابقة مالياً، فتمخض وتمخضض والقي بما ينضح به من سباب وشتائم وكبها على الحكومة السابقة. ثم، وبعد "نبش" قبور الحكومات السابقة، ها هو يقف بقامته السامقة الفارعة على طاولة حكومة "التوافق" (وله ولأربابه ومعلميه وزراء فيها) وصوّب إليها "سهام" مِن صُنع من يصنع الخناجر أيضاً، والمسدسات.. هاجم وزارة المال.. وسائر "الوزارات التي تتولاها 14 آذار.. وصولاً أيضاً إلى الرئيس سليمان (وسليمان هو الهدف المستتر عنده) معتمداً على "الذهنية" الإلغائية قد يكون (من ليس معنا فهو ضدنا، وعدونا) وذهنية الأبيض والأسود، (لكن الفارق أن الأيديولوجيا الإلغائية قد يكون عندها مشروع ما، نحن لسنا معه طبعاً، أما أبو الميش فهو مشروع نفسه: أنا هو الذي! "Je suis celui qui est" : تيمناً بالآلهة والقديسين والأولياء (أوليس هو حليف حزب اختاره الله لينخرط فيه من دون سائر الأمم والشعوب والأفكار والأحزاب: ولا نظن أن ميشال عون كان يحتاج لحزب "الآلهة" والملائكة ليشعر بفردانيته ووحدانيته، وألوهياته المتعددة: فهو يكتنز كل هذه النعَم الميتافيزيقية والمعجزات والعجائب: فهو رجل العجائب والغرائب وسندباد "السماء" المأهولة به!). وقد ترافق هذا الحس الميغالوماني بالعظمة، (ويا للغرابة) بواقع امتثال ميشال عون للوصايات! (وأظن أنه يحسب نفسه أذكى منهم: أي حزب الله، والوصاية الأولى والثانية والثالثة والرابعة وهلم جرا، أو أنه يستغلهم.. وليسوا هم من يستغلونه: تعتير والله تعتير! وفالج ما تعالج). ومن خلال هذه المشاعر المتجاذبة على تناقضاتها، ها هو يرسو بلا أشرعة على مواقع الهجوم.. والكرّ بلا فرّ: أو بالأحرى الكرّ على انجازات الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وعلى الحكومة الحالية، وعلى المحكمة.. وبالطبع على القرار الاتهامي… وعلى كل ما حَدده له "أربابه" من "أهداف" مرتبطة بإثارة الفتن، وتهديد الأرض، والتحريض على الانقسام وضرب الاستقرار، وتسفيه المؤسسات.. انه "بتاع كلو" وكذلك "بتاع كلهن".. ولهذا لم يعد من أثرٍ يذكر لميشال عون، كشخص "مستقل" أو "حر الإرادة" او "الاختيار" أو "المواقف". يمكن اعتباره اليوم، وبعد ارفضاض شعبيته التي بناها في بعض "المصادفات اللاتاريخية" وهروب "القيادات" المعقولة والعاقلة والوطنية من مسالكه الشتى، ومن "أفكاره" المستعارة، يمكن اعتباره بات مجرد "ملابس" أو مجرد "ملامح شمعية"، أو مجرد "فزّيعة" أو مجرد "خيال" أو ظل… بل إن بعضهم بات يشكك في اسمه، فيخلط عندما يتذكره بين ميشال قنديل، أو "ميشال وهاب" (مع احترامنا للأسماء كلها)، أو ناصر عون، أو نواف عون، أو ميشال الموسوي! فهذا "الإدغام" الرائع، دليل على "ثنائيات" اسمية تشير إلى "وحدانيات" ذاتية؛ أكثر: فهذا الالتباس الواعي واللاواعي بين الأسماء يردفه توافق رائع بين المواقف من "كلمات السر" و"أناشيد الجوقات" المستعادة من أزمنة الحرب، وأخيراً من "زمان الوصل" في "أندلس النظام الأمني" من تلحين هذه المخابرات أو تلك، والتي تذكرنا بسيروة القاضي عضوم، والعدالة العالية الشامخة في الزمن العضومي المدعوم، والمشحون، وبناصر القضية الفلسطينية والحرية والسيادة والديموقراطية في لبنان اللواء المتقاعد جميل السيد: ألا بارك الله سعيك الدؤوب لتحقق ما لم تستطع تحقيقه أيام كنت تطارد الناس والصحافيين والكتّاب وتضربهم بذراع من نصّبك في منصبك! فبوركت ذراعاك.. وأذرعهم! يا جميل!

ونظن أن فقدان عون كل "هوية" سياسية أو حتى مواقع شعبية، "فاعلة" وافتقاده أنسابه، وألقابه وأسماءه يجعله "متقلباً" "طوّافاً" بين المواقع، "طيّاراً" مجهول الفضاء" في تياره، و"سندباداً" فقد كل مراكبه، وبوصلاته! كأنه يعيش اليوم، وبعد الهزائم المتعاقبة التي أدمنها فصارت جزءاً من حاجاته (عون يحتاج إلى الهزيمة فهي تنفخه لسبب أنه لم يعرف طعم أي انتصار مثمر أو حقيقي: وألف هزيمة يا أبا الميش لا تصنع انتصاراً واحداً)، وضروراته: كالأكل والشرب والتنفس. بل كأن "الهزيمة" (والخروج) من الحلبة كراقص أو كلاعب باتت من غرائزه الأصلية.

وعلى هذا الأساس عليه، ولمتطلبات "نفسية" وتحليلنفسية، ان يقع في "شعرية" وهم تجعله يتصور ان تاريخه كله اجتراحات. وأنه فريد زمانه. يعرف كل شيء. ويتنبأ بكل شيء. ومعصوم عن الخطأ، وأعداؤه كثر يتآمرون عليه.. هذه الهلوسات تصبح كإبرة المورفين.. او المخدرات، تجعل الجنرال (هل كان جنرالاً حقاً، وفي أي جيش، وفي أي زمن، وفي أي مكان، وفي أي حرب؟) يعيش في "فراديس مصطنعة" (بالإذن من الشاعر الكبير بودلير)، أو في جنات يحكمها ويتحكم بها، ويصنع منها "جمهورية" مثالية.. من جغرافيات هيولية ومن هلوسات "تُجمّل" واقعه التعيس! وتغلفه بهالات "أسطورية": فهو يصير "أسطورة نفسه" رائع! ولأننا نعيش في زمن الاستهلاك… وفي "العالم الافتراضي" فيمكن القول أيضاً، إن عون يستهلكه "حلفاؤه" استهلاكهم أي أداة، أو بضاعة، وهو في المقابل يستهلك نفسه، ويزعم أن استهلاكه نفسه هو نوع من "التغيير".. والإصلاح. ممتاز! ويزعم ان هذا الزمن "الافتراضي" وهو زمنه الحقيقي. وهنا يرى حلفاؤه أن يعدّوا هذه "النزعة" الفائضة من تضخم الذات، ومن الالتباس بين الأدوار والمواقع والأسماء والشهرة والاسم. ولهذا شبّهه أحدهم بلعبة "اليويو" التي عندما يضغط عليها تدور حول نفسها، وربما تظن إنها تدور حول العالم". ولكن يجب ألا ننسى أن عون ينتفض أحياناً انتفاض "المصنوع" على صانعه، وهذه الانتفاضة محدودة.. محدودية افلات "اليويو" من أصابع اللاعب به. ونظن أنه لكي يستمر في وضعه الامتثالي المطلق، (ونتذكر مسرحية يونسكو )"جاك أو الامثتال" لأربابه و"صانعيه" يحتاج أحياناً إلى مثل هذا التململ "للتعويض النفسي". لكن ملكاته الداخلية، والعصبية، والتكوينية، والفكرية (ميشال عون مفكر كبير وتناهى إليّ انه في صدد إصدار أعماله الفكرية الكاملة التي تتناول الاستراتيجيات النووية، والاقتصادية وعلاقة المجتمعات التكنولوجية والعولمة بالبيئة والأدب والفلسفة والشعر والمسرح.. ونتمنى أن تصح هذه الأخبار الثقافية المفرحة التي تملأ فراغاً فلسفياَ وفكرياً عميقاً ليس عندنا فقط بل في العالم كله! والخبر على ذمة الراوي).

هذه الملكات، لا تلبث أن تهدد، ويعود ميشال "الممتثل" إلى الطاعة الرائعة، شقيقة الأمان، وأليفة الطموحات ومُبعدة المخاطر والمجازفات ومدرارة البحبوبة والسعة..

هل هذا يعني كله، انه يجب "إهمال" هذه الشخصية المنتهية أو المستقيلة من أدوارها المرجوة؟ هل هذا يعني انه يجب ألا "نقيّد" على هذا الشخص، ونعتبره ظلاً منسياً، أو رجلاً فقد ظله؛ لا، ذلك انه علينا رصد هذا الظل لنعرف مدار الشجرة والريح والهواء.. لنعرف الذين يستظّلهم (بعدما فقد ظلّه) ماذا ينوون.. وماذا يخططون: والمثل السائر الذي يقول "خذوا الحقيقة من أفواه الأطفال" يتحول إلى "خذوا الحقيقة من أفواه "الظلال"، وإذا كان ليس للظل وارف أو ظل.. فما بالك بجنرال فقد ظلّه.. ونسيَ أن يبحث عنه بين الظلال؟!.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل