يبدو أن التصدّي للجنة التحقيق الدولية في الضاحية الجنوبية ليس حادثاً عابراً، ولا هو وليد لحظته، بل له خلفيات خطيرة للغاية، وهو بصورة أو بأخرى انعكاس لموقف يرمي أساساً الى ضرب المحكمة الدولية، أو اعتبارها خطراً كبيراً.
في هذا الإطار، فإن من يقفون خلف مفتعلي حادث الضاحية لا يريدون المحكمة ولا العدالة، وهم منذ زمن يبحثون عن تبرير للبدء بهجمتهم، وأخذوا ما جرى كحجة وتبرير، وبدأوا "حربهم" غير المسبوقة من دون أن يأخذوا في اعتبارهم انهم لن يستطيعوا تحقيق هدفهم، اذ لا أحد في هذا العالم يستطيع أن يلغي المحكمة، والتي أنشئت بقرار من مجلس الامن الدولي، وتحت الفصل السابع.
.. صحيح إن ما يقومون به ينعكس بأسوأ السلبيات على الاستقرار في لبنان، وصحيح إنه يضاعف من حجم الانقسام في البلاد، ولكن الصحيح أيضاً أن لا شيء يرهب المحكمة، وهي ستواصل عملها وصولاً الى تحقيق العدالة وكشف قتلة الرئيس الشهيد رفيق الحريري.
وبصدق وأمانة فإن هذا الهجوم غير المبرر على المحكمة، والدعوة الى مقاطعتها، كما يسيء الى لبنان الوطن، فإنه يسيء أيضاً الى المقاومة وصدقيتها، فهل يدرك مهاجمو المحكمة والداعون الى مقاطعتها يا ترى هذا الامر؟
فإن كانوا لا يعلمون فتلك مصيبة، وإن كان يعلمون فالمصيبة أعظم.
ولكن السؤال الكبير الذي لا بد من طرحه هنا، هو، لماذا هذا العداء للمحكمة، ولأي سبب؟
بمعزل عن الجواب، فإن الواقع يقول إن هناك غايات ملتبسة ستتكشف تفاصيلها في وقت غير بعيد على الاطلاق، مع التأكيد هنا على أن لا أحد يتهم "حزب الله"، وأن القرار الاتهامي لم يصدر بعد، ولا أحد يعرف تفاصيل هذا الاتهام ومن هم المتهمون.
في هذا الاطار، لماذا يستبق "حزب الله" الاحداث، ولماذا لا ينتظر حتى صدور القرار الظني، وعلى أساس الشيء يبنى مقتضاه؟
.. هنا، لا بد من ملاحظة ضرورية تتمثل بموقف النائب وليد جنبلاط، الذي كنا نربأ به أن يذهب الى ما ذهب إليه في مواقفه، ولكن، هل يا ترى يقوم وليد بك بدور حصان طروادة؟
… كنا نتمنى عليه أن يكون منسجماً مع تاريخه، وأن يكون حكماً لا طرفاً، وأن يتذكر أنه كان من أكثر المتحمسين لقيام المحكمة الدولية، وله تصريحات ومواقف لا تعد ولا تحصى تصب في هذا المنحى.
… على كل حال، ومهما كان الامر، فإن المحكمة ستواصل عملها، وهي لن تتأثر بالتخويف وبالتهويل، والقرار الاتهامي، مهما كان، ليس نهاية الدنيا، وهو ليس حكماً مبرماً على الاطلاق، إذ سيتبعه محاكمة وشهود وادعاء ودفاع، والحكم لن يصدر إلا اذا كان مستنداً الى قرائن وإثباتات.
إن كل ما هو مطلوب همو أن يكف المهاجمون عن أساليبهم، وأن يتركوا المحكمة تقوم بعملها، ولن يقبل أحد في لبنان والعالم إلا أن تكون الاحكام ذات صدقية، من دون أن ننسى أن العالم كله يراقب أعمال المحكمة، وهذا وحده يبدو كافياً للتأكد من انها لن تكون مسيّسة على الاطلاق، وعملها يستند الى القوانين المرعية، وهدفها تحقيق العدالة، ووضع حد للجرائم السياسية في لبنان.