بغضّ النظر عن التفاصيل الراهنة يا إخوان، فإن الصورة العامة الماثلة أمام اللبنانيين في الوطن والمهجر تبدو وردية مفرفحة ومنعشة، من دون أدنى أو أعلى شك أو ظن أو نيّات سيئات!
وفق القياس الموجود نقيس.. وتبعاً للظرف الراهن وأخوه السابق وابن خالته اللاحق نضع زبدة الاستنتاج على رغيف القراءة، ونفترض أنه بين السيئ والأسوأ نختار الأول ونطنّش.
وبمعنى أوضح وأفصح وأسلس وأملس، فإن التصعيد القائم لا يزال قائماً بالسياسة وأبوابها والشبابيك. وأن الميدان المألوف لترجمة ذلك التصعيد يبدو مقفلاً حتى إشعار آخر! وفي ذلك (أعزائي المشاهدين) ذروة الحظ الطيب، والمآل الأطيب، بل ذروة أماني وتطلعات عموم اللبنانيين الذين على عادتهم السيئة، يفترضون دائماً أن الانقسام في الرأي يؤدي حكماً الى انقسام في الحي. وأن الجدل في السياسة يوصل حتماً الى مناوشة ومناتشة بعيدة عن الكياسة، أي بالرصاص وأترابه الأكبر منه والأصغر على حد سواء.
وليس أمراً بسيطاً أو هيّناً أو قليل الشأن والمقام، أن نكون بعد كل الذي حصل ويحصل، واقفين لا نزال على أبواب تشليع مثلّث الأبعاد (محلي وإقليمي ودولي)، ولكن من دون تلك الدربكة الدموية المألوفة. بل من دون أن يبدو الاستقرار الأمني العتيد مُهدداً فعلياً.. أو بالأحرى هكذا قيل لنا منذ تموز العزيز في الصيف الذي مضى وراح. وهكذا أُفهمنا تماماً حالاً فوراً مباشرة، عندما نُصبت فوق رؤوسنا تلك الخيمة الحانية الحامية والمانعة لأي نوع كان من النشّ.
هكذا قيل لنا. وهكذا شعرنا. وهكذا صيّفنا و"خرّفنا" ونكاد أن نشتّي. الاستقرار قرار. والأمن من الألعاب الممنوعة. والفوضى غير مستحبّة. والاستباحة الشارعية خط أحمر يبدأ في بيروت وينتهي عند أبواب آخر مدينة إسلامية "مختلطة" قريبة كانت أم بعيدة…
ثم إننا بعد ذلك نركن الى منطق الأمور والحسبة الدقيقة ونفترض مع من يشاء أن يفترض، أن لا قدرة فعلية حقيقية عند أي طرف لبناني، خصوصاً المنتشي راهناً بقوته وبأسه وخزائنه المدكوكة دكاً بالسلاح والمال لأن "يحسم" الأمر على هواه. لا الجغرافيا (الطبيعية والسياسية) تعينه على ذلك. ولا الديموغرافيا العنيدة تسمح له بذلك. عدا عن أن الربط التحالفي مع الخارج هو خط مزدوج. فيه إيجابيات الدعم على أنواعه، وفيه سلبيات أحكام "التنسيق" المسبق معه. ولذلك الخارج حسابات وقراءات واستنتاجات. ووسائله كثيرة "لاقتناع" حلفائه بخلاصة رأيه، وإبقائهم بالتالي تحت سقف ذلك التنسيق الحتمي والمصيري في الأمور الكبيرة والخطيرة(؟).
لذلك كله، تبدو أحوالنا في هذه الأيام وردية نسبة الى سواد البدائل. ومفرفحة نسبة الى الغمّ الكامن في الميدان. ومنعشة نسبة الى الضمور المصاحب للقنوط واليأس المتأتيين من فرضيات الجحيم وأبوابه… وكل ذلك لمن يشاء خلاصة القول بالاختيار بين السيئ والأسوأ.
.. أما بعد ذلك، فإن ما سلف لا يُعتدّ به كثيراً لأننا في لبنان ولأن المنطق في إجازة مفتوحة، والعقل مكربج في سبات، وخرافة الأحكام سارحة والرب راعيها.. ومجدداً الله يستر!