لم يكشف الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله، في كلمته مساء الخميس الماضي، جديدا في ما يتعلق بموقف الحزب من التحقيق والمحكمة الدوليين. ففي احدى اطلالاته قبل نحو شهرين، قال بالفم الملآن ان الحزب لن يتعاون مع التحقيق بعد الآن، وأنه لن يسمح لأحد من أفراد الحزب أو من أصدقائه بالمثول أمام المحققين في ما لو تم استدعاؤهم الى التحقيق ولو بصفة شهود، كما حدث في السابق.
الجديد هذه المرة، مطالبته المسؤولين والدولة والادارات الرسمية على اختلافها (فضلاً عن المؤيدين للحزب) بمقاطعة لجنة التحقيق من جهة أولى، واتهام كل من لا يلتزم ذلك بأنه انما يعتدي على المقاومة ويقدم خدمة طوعية ومجانية لاسرائيل من جهة ثانية. هذا على الصعيد الاخلاقي، اذا نظر الى الأمر من زاوية أنه عبارة عن دعوة "أخوية"، لكنه يختلف عن ذلك كثيرا اذا ما نظر اليه من الزاوية السياسية. ففي الحالة الثانية، يكون الحزب وأمينه العام قد وضعا نفسيهما مكان المسؤولين والدولة اللبنانية والادارات الرسمية جميعا، أي أنهما يكونان يتصرفان كما لو أنهما نفذا "الانقلاب" الذي طالما هددا به في المرحلة الماضية، كما وضعا نفسيهما في مواجهة مفتوحة ليس مع الشرعية والدستور اللبنانيين (فضلا عن المواطنين) فحسب، وانما أيضا مع الشرعية والمجتمع الدوليين اللذين يرعيان التحقيق والمحكمة باعتبارهما الوجه الآخر للاستقرار والأمن في لبنان.
فهل هذا ما أراده الحزب، ومن خلفه القوى المحلية والاقليمية التي تؤيده، من قراره مقاطعة التحقيق في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وعدم التعامل معه ومع المحكمة بعد الآن؟!.
لا حاجة الى تكرار القول ان توجه الحزب هذا بدا جلياً منذ الثامن من آذار العام 2005، ثم ما تلاه من "ملاحظات" (لم يعرف أحد مضمونها حتى الآن) على اتفاق انشاء المحكمة وأدت، في ما أدت، الى اعتكاف وزرائه ووزراء حلفائه واستقالتهم من الحكومة… وبقيت القصة التي باتت معروفة. لكن ذهاب نصرالله، قبل فترة، الى وصف المحكمة بأنها اسرائيلية وأميركية، وأن هدفها تحقيق ما لم يتمكن العدوان الاسرائيلي في العام 2006 من تحقيقه، فتح الباب وسيعاً في الواقع أمام اعلانه مقاطعة التحقيق، وتالياً المحكمة كلها، قبل يومين.
كذلك، فاعلانات نصرالله المتكررة، عن أن القرار الاتهامي للمدعي العام الدولي مكتوب منذ العام 2005، وأنه شخصيا تبلغ بمضمونه في العام 2008، وواقع أنه وحلفاءه اشتركوا منذ ذلك التاريخ في حكومتين اثنتين تعهدتا في بيانيهما الوزاريين (فضلا عن اجماع هيئة الحوار الوطني ثم اتفاق الدوحة عليهما) بتنفيذ موجبات التحقيق والمحكمة، هي ما يطرح كماً كبيراً من علامات الاستفهام على الشكل التالي:
أولاً: هل ينقل الحزب دعوته "الأخوية" هذه المسؤولين والدولة لمقاطعة لجان التحقيق، من مستواها الحالي الى قرار بمقاطعة المسؤولين أنفسهم، وبالتالي الى انسحاب من الحكومة في حال عدم تجاوبهم مع الدعوة "الأخوية" أو تجاهلهم مقاطعة الحزب لهم، مع ما يستتبعه ذلك من انقسامات وقلاقل على الصعيدين السياسي والشعبي؟، والى أي حد يمكن لحلفاء الحزب، المحليين أساساً ثم الاقليميين بعد ذلك، أن يسيروا مع الحزب في مثل هذا التوجه؟.
قد يقال ان لا مشكلة هنا مع الحلفاء المحليين، فهم "في الجبب" كما أثبتت التجارب السابقة، لكن المسألة تبدو مختلفة بالنسبة الى الحلفاء الاقليميين… فهؤلاء ليسوا أحزاباً أو تيارات سياسية لا علاقة لها بالمجتمع والشرعية الدوليين، انما دول وأنظمة حكم يفترض أن تكون مسؤولة أمامهما.
ثانياً: هل يتجه الحزب الى التعامل مع من وصفهم نصرالله بأنهم "متعاونون مع المحققين، أو يقفون وراءهم، أو يدعمونهم، أو يغطونهم … واذا هم مساعدون لهم في الاعتداء على المقاومة"، بالمعيار نفسه الذي يجب أن يعامل به الجواسيس والعملاء (تعليق المشانق، كما قال أكثر من مرة) وتالياً الى وصم نصف الشعب اللبناني على الأقل بتهمة أنهم خونة ومعادون للمقاومة.. كي لا نتحدث عن المسؤولين أنفسهم والعاملين في ادارات الدولة والأمن والقضاء والأمن وأجهزتها؟!.
واذا كان لدى الحزب مثل هذا التوجه، فكيف يستقيم أن يوجه اليهم دعوة "أخوية" للمقاطعة في هذه المرحلة، بانتظار "حكم" الخيانة النهائي عليهم في مرحلة لاحقة، أم أن المسألة مسألة وقت تقتضيه عملية الاستيلاء المتدرج على السلطة ليس الا؟!.
ثالثاً: هل يلجأ الحزب الى اعلان أنه لم يعد معنياً بعد الآن أيضا:
1ـ بالمظلة السعودية ـ السورية لأنها، كما درجت وسائل اعلامه على القول منذ شهور، لم تنجح في محاولاتها لالغاء القرار الاتهامي أو حتى المحكمة الدولية في مرحلة لاحقة.
2ـ بـ"اتفاق الدوحة" لأنه لم يوفر له، لا من خلال انتخاب رئيس الجمهورية، ولا من خلال "الثلث المعطل" في الحكومة، ولا من خلال تكريس سلاحه جزءاً من الاستراتيجية الدفاعية المطروحة على الحوار الوطني، ما كان يخطط له من هيمنة على القرار السياسي في البلد.
3ـ بالقرار الدولي الرقم 1701 لأنه لم يكن، كما تقول وسائل اعلامه اياها، البديل الفعلي في الأمم المتحدة وعلى الأرض للقرار 1559.
رابعاً: وعلى صعيد المحكمة نفسها، هل يقرر الحزب مثلا ارسال فرق من "الأهالي" (كما حدث في بعض بلدات الجنوب مع قوات "اليونيفيل"، أو من النساء كما حدث مع المحققين الدوليين في الضاحية الجنوبية) الى لاهاي، أو ربما الى مقر الأمم المتحدة في نيويورك أو مكتبها في بيروت، من أجل الزام المحكمة الدولية بوقف أعمالها ومنع المدعي العام فيها من اصدار قراره الاتهامي، أم أن لديه طرقاً وأساليب أخرى؟.
خامساً: واذا كان واثقا بما فيه الكفاية من اتهاماته للتحقيق والمحكمة بأنهما مسيسان من جهة واسرائيليان وأميركيان من جهة ثانية، بكشف محتويات الحقيبة التي انتزعتها احدى السيدات من يد المحقق الدولي في عيادة الطبيبة ايمان شرارة، أو حتى باعادتها الى النائب العام التمييزي في لبنان باعتباره لا يعترف بالتحقيق والمحكمة من أساسهما، كما فعل في ما يتعلق بالمعلومات والصور الجوية الاسرائيلية لبعض الأمكنة والمواقع في بيروت ومنطقة الانفجار الذي أودى بحياة الرئيس الحريري ورفاقه؟.
… وتلك أسئلة افتراضية، أو ربما ساذجة، لأن "حزب الله" وضع نفسه ولبنان والمجتمع الدولي كله، بقراره عدم التعاون مع التحقيق، في منطقة مفتوحة على احتمالات لا يعرفها غيره.