يحق للبنانيين ان يظهروا الكثير من علامات الاستياء ازاء اوضاعهم المتراجعة على كل المستويات والطريقة التي تُدار بها الامور . من حقهم ان يستنكروا هذا الاهمال الحكومي لقضاياهم الاجتماعية والاقتصادية وأحوالهم الحياتية، مع ان الحكومة كانت تعهدت بأن يكون الشأن الخدماتي والانمائي أولوية لديها . ومن حقهم ان يرتابوا من هذا الجمود المسيطر على اعمال الحكومة التي باتت اقرب إلى " حكومة تصريف أعمال " ولم تعد قادرة على اتخاذ قرارات ، لا بل صار " اللاقرار " عنوانها وسمتها . فإذا لم تكن قادرة على القرارات الكبيرة وفي المسائل الحساسة، لماذا لا تبادر في المسائل الحياتية وهي اساسية بالنسبة للمواطنين ورفاهيتهم وأمنهم الاجتماعي والغذائي والصحي…
ويحق للبنانيين ان يظهروا الكثير من علامات القلق وهم يشاهدون المتاريس السياسية ترتفع ، وسياسييهم يتبادلون التخوين و الاتهامات والاستفزازات، وحديث الفتنة تتناقله الألسن ، وسيناريوات " السيىء والأسوأ " يتم التداول بها والترويج لها . ويحق لهم أن يعجبوا ويتساءلوا كيف ان بلداً بكل ما ومن فيه "وبقده وقديده " يظل مرهوناً لأشهر بـ " محكمة دولية " خرجت من يد اللبنانيين وارادتهم ، وقرار ظني ليس معلوماً ولا معروفاً مضمونه وموعد صدوره ، وكيف ان بلداً صغيراً ما زال يسعى للتخلص من رواسب الحروب السابقة ، يوضع في اجواء حرب جديدة وتربط أوضاعه بأزمات المنطقة الكبيرة وملفاتها المعقدة …
وسط هذه الصورة القاتمة يلوح بصيص أمل ، ووسط موجة القلق والاضطراب تتوافرعناصر اطمئنان ، لعل أولها ما بادر اليه قائد الجيش العماد جان قهوجي من موقف حازم كان كافياً لتهدئة نفوس اللبنانيين عندما أكد على ان لا مكان للفتنة وان الجيش لن يتهاون مع من يساهم في صنعها وتحريكها وسيضرب بيد من حديد من تسوّل نفسه العبث بالأمن .
لقد رسمت قيادة الجيش عبر قائدها عنواناً عريضاً للمرحلة هو : الفتنة ممنوعة والأمن خط أحمر . وحددت الدور الطبيعي للجيش الذي لا يمكنه ان يكون في موقع المتفرج على أي اوضاع واحداث تأخذ منحى الإضرار بأمن المجتمع والوحدة الوطنية والاستقرار العام ومصالح الناس . ومثلما وضعت قيادة الجيش حداً للتدخلات السياسية في شؤون المؤسسة العسكرية، فإنها تمتنع عن الدخول في التجاذبات والصراعات السياسية على انواعها. وفي وقوفها على مسافة واحدة من الجميع ، فإن عينها على الأمن وهدفها حفظ الاستقرار الأمني الذي من دونه لا استقرار على أي مستوى ، أكان سياسياً أم اقتصادياً أم اجتماعياً…
وبموازاة تثبيت " الاستقرار الأمني " بضمانة ذاتية من الجيش الذي هو " صمام الأمان " الأول في هذه المرحلة وكل المراحل وانطلاقاً من كل ذلك وجب على جميع القيادات السياسية والحزبية اعطاء كل الدعم والغطاء السياسي المطلوب لهذا الجيش الوطني ليقوم بدوره خصوصاً ان الجميع يعلم في لبنان ان الأمن هو أمن سياسي بامتياز .
وفي موازاة ذلك كانت الجهود المركزة من جانب الرئيس ميشال سليمان لتثبيت الاستقرار السياسي الذي ترسخ منذ سنتين مع حكومة وحدة وطنية وانتخابات نيابية. لقد أثبت الرئيس سليمان انه رئيس " الوفاق الوطني " بامتياز وغير منحاز إلى جانب اي فريق ضد آخر . وربما لأنه كذلك فإن الانتقادات والسهام تطاله من حين إلى آخر من هذا الفريق أو ذاك لسبب بسيط هو ان رئيس الجمهورية لا يمكن ولا يقبل أن يكون إلا مع قناعاته ومع ما يؤمن وحدة البلد وابنائه خصوصاً انه مدرك بعمق ومسؤولية للتوازنات الدقيقة السياسية والطائفية وخصوصية المعادلة اللبنانية التي لا يمكن ان تقوم على "غالب ومغلوب " …
وكما في كل محطة بارزة واستحقاق مفصلي منذ انتخابه رئيساً للبلاد ، فإن تعاطي الرئيس سليمان مع أزمة المحكمة الدولية كان على درجة عالية من الحكمة والاحتراف والموضوعية ، اذ يكفيهم وسط هذه المعمعة التي تكاد ان تلامس حد " الهستيريا الجماعية " ان يشهدوا مساحة من الهدوء والروية اقتطعها رئيس الجمهورية الذي أدار هذه الازمة محاولاً ابقائها ضمن أطرها السياسية والحؤول دون امتدادها إلى داخل الحكومة …
الرئيس سليمان واضح في تأكيد التزام لبنان بالقرارات والشرعية الدولية وحرصه على استمرار الدعم الدولي للبنان. وفي موضوع المحكمة الدولية ثمة توافق وطني على الوصول إلى الحقيقة والعدالة أكدت عليه توصيات الحوار الوطني الوزارية . ولكن عندما يتعلق الأمر بثوابت وأساسيات مثل الوحدة والأمن والاستقرار والعيش المشترك ، فإن على رئيس الجمهورية المؤتمن على الدستور تقع أولاً مسؤولية المعالجة واستنباط الحلول والمخارج رغم الامكانات والصلاحيات المتواضعة الموضوعة في تصرفه . ومن هذا المنطلق كان التعاطي الهادىء والعقلاني مع مسالة شهود الزور بعيداً عن كل ما يدور من شد حبال و " كباش سياسي " وتسجيل نقاط ، وبمنأى عن كل انفعال واستفزاز .
وبعد اتخاذ القرار السياسي بفتح هذا الملف واحالته إلى القضاء اللبناني ، عمل الرئيس سليمان على التأجيل من أجل التهدئة وحال دون وصول الأمور إلى التصويت الذي يعني بكل بساطة تفجير حكومة الوحدة الوطنية من الداخل . وبدل ان يكون موضوع شهود الزور مدخلاً إلى الحل ، فأنه يكون مدخلاً وسبباً لأزمة أكثر تعقيداً ، لأن سقوط حكومة الوحدة الوطنية التي استلزم تأليفها سبعة شهور من شأنه ان يفتح الوضع على ازمة حكم وعلى الفراغ والفوضى في ظل تعذر تشكيل حكومة جديدة . ومن هنا أتى طرحنا مراراً وتكراراً بضرورة نقل الحوار من طاولة مجلس الوزراء إلى طاولة الحوار الوطني ، أولاً من اجل اعطاء الحكومة الوقت الكافي للتفرغ لهموم واحتياجات ومشاكل الناس الاجتماعية والانمائية وثانياً لترك المجال أمام قيادات الصف الاول للتحاور في ما بينها بدلاً من التراشق الكلامي والاعلامي وطرح كل الامور مهما بلغت خطورتها وتعقيداتها على طاولة الحوار وهذا لا يمكن للوكيل ( على طاولة مجلس الوزراء) ان يقوم بها في وجود الاصيل ( على طاولة الحوار ) .
ان اللبنانيون على قناعة تامة وهذا ما شدد عليه النائب سليمان فرنجية في برنامج " كلام الناس " مع الاعلامي مرسيل غانم بأنه ليس مسموحاً ان تصل بنا الامور إلى حد الاقتتال في ما بيننا لأنه بعدما يدور الوضع دورة كاملة ومكلفة ودموية (لا سمح الله ) ، يعود إلى نقطة التسوية وإلى حكومة ستكون نسخة منقحة عن الحكومة الحالية مع تعديلات شكلية ليس أكثر ، الا اذا اريد حكومة أمر واقع وحكومة أزمة نعرف كيف تبدأ ولا أحد يعرف كيف ستنتهي أم الاتكال على الخارج كما تعودنا دائماً من اجل عقد دوحة – 2 أم "طائف – 2 " وهذا ما لا نتمناه ولا يتمناه أي لبناني إلى أي طائفة أو حزب انتمى.
ان تجارب العامين الماضيين اثبتت ان الرئيس سليمان كان على حق وصواب في الطريقة التي أدار بها الأمور والأزمات والتوجهات الوطنية الكبرى .
والرئيس سليمان الملتزم اتفاق الطائف الذي اصبح دستوراً، والذي يعمل من وحي اتفاق الدوحة وروحيته ، يتحرك تحت سقف القمة الثلاثية التي انعقدت في قصر بعبدا والتي وضعت " خطاً احمر عريضاً "تحت ممنوعين : اندلاع الفتنة وسقوط حكومة الوحدة الوطنية ، وأرست معادلة الاستقرار الأمني والسياسي التي تبقى هي الأساس والباقي تفاصيل …