رأى رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري أن الاقتصاد العالمي يمر بمرحلة دقيقة جدا، مشيرا إلى أن الأزمة المالية العالمية تحولت بسرعة كبيرة إلى أزمة اقتصادية تطاول جميع التكتلات، نتيجة ترابط أسواق المال مع قطاعات الانتاج والخدمات، وموضحا أن المنطقة العربية استطاعت الى حد كبير تجنّب الخسائر المالية المباشرة للأزمة، وذلك بدفع قوي من السياسات المالية التوسعية التي انتهجتها بعض الحكومات لتحافظ على الاستقرار في اقتصاداتها، أو نتيجة لضعف ترابط بعض الأسواق المالية والتجارية العربية بالأسواق العالمية.
الحريري، وإثر مشاركته في حفل افتتاح "ملتقى الكويت المالي الثاني 2010" الذي أقيم في فندق "شيراتون-الكويت" برعاية رئيس مجلس الوزراء الكويتي الشيخ ناصر المحمد الأحمد الجابر الصباح وحضور عدد كبير من المسؤولين الكويتيين والعرب وسفراء ومصرفيين ورجل أعمال وشخصيات، أكد أن الدول العربية تزخر بإمكانات كبيرة للنمو، وقال: "منطقتنا لديها عنصر شباب مهم، وهي غنية بالموارد الطبيعية الأساسية، تمتلك سيولة عالية، أمامنا اليوم فرصة لنلعب دوراً مهماً على صعيد الاقتصاد العالمي. وهذا من دون شك يعطينا زخماً لتطوير قدراتنا من أجل تحقيق المزيد من الاندماج في الاقتصاد العالمي، وتحسين مستوى التمثيل العربي في المؤسسات الدولية، لكننا أيضاً أمام تحدي المنافسة مع غيرنا من الدول ذات الأسواق الناشئة، والتي تتسابق بدورها لأن تأخذ حصة أكبر في رسم السياسات الاقتصادية والمالية الدولية".
وأشار إلى أهمية هذا الملتقى بالتحاور والاستماع الى الأفكار حول الآفاق المستقبلية للمنطقة العربية، وحول الدور المنوط بالعرب في المحافل الاقتصادية الدولية،معتبرا أن الغاية ليست فقط بتحييد الأنفس عن العقبات التي قد تعترضها، بل الطموح للإفادة من الفرص المتاحة، وأضاف: "حصلنا بجدارة على تمثيل عربي في مجموعة العشرين، ونتطلع لأن يكون هذا التمثيل تعبيراً عن الموقف العربي الموحّد في ضوء التطورات العالمية، فالتحدي الأبرز أمام الدول العربية هو خلق فرص عمل للشباب والشابات، فالمنطقة العربية تحتاج الى أكثر من 18 مليون فرصة عمل جديدة خلال العقد المقبل، وهذا أمر يلقي علينا مسؤولية إيجاد البيئة الملائمة لتحفيز القطاع الخاص على القيام بالاستثمارات المنتجة التي بدورها تؤدي إلى فرص العمل وافساح المجال أمام الشباب العربي للمشاركة في إدارة الشأن العام".
إلى ذلك، أكد الحريري أنه يعول كثيراً على القطاع الخاص ودوره كرافعة اساسية للاقتصادات الوطنية، موضحا أن للقطاع المصرفي دور محوري في تمويل مشاريع التنمية الاقتصادية، وتابع: "من واجبنا، نحن الحكومات، أن نؤمن الاستقرار السياسي والتشريعي، والإطار القانوني والمؤسساتي الملائم بما يشجّع المصارف العربية على تمويل المشاريع الاستثمارية. ولا ننسى في هذا المجال دور أسواق المال والبورصات العربية في تنويع قاعدة التمويل للقطاع الخاص".
ولفت إلى أن هذا التوجه يدفع إلى التشدد في تطبيق المعايير الدولية في الرقابة والممارسات المصرفية السليمة، كما يحض على وضع التشريعات والاجراءات التي تنظّم عمل البورصات العربية، وتشجعها على النمو، حيث الغاية من ذلك تحصين آليات التمويل العربية تجاه الأزمات المالية الدولية، بالاضافة الى الحفاظ على الاستقرار النقدي والاقتصادي في المنطقة.
وقال: "نحن في لبنان نتطلع دوماً الى تفعيل العمل العربي المشترك، والى التعاون والاستفادة من خبرات الاشقاء العرب في كافة المجالات. تعلمون جيداً أن لبنان مر ويمر بفترات صعبة، لكنه على الرغم من ذلك استطاع أن يتفادى تداعيات الأزمة المالية العالمية وخرج منها بمعدلات نمو مرتفعة، وانخفاض في معدلات الفائدة، وارتفاع في الرساميل الوافدة، والاحتياط الأجنبي، وبفائض كبير في ميزان المدفوعات. والسياسة الاقتصادية لحكومتنا تهدف الى تشجيع النمو والمحافظة على معدلاته المرتفعة. وقد حققنا معدل نمو 8 في المئة خلال السنوات الثلاث الماضية. ولكي نحافظ على النمو، وضعنا في أولويات سياساتنا أن يكون النمو مبنياً على عناصر داخلية وليس فقط على عناصر خارجية. وإننا في هذا الشأن، نتطلع إلى مقاربة أزماتنا السياسية بوعي ومسؤولية، وتجنب الإنجراف إلى ما يمكن أن يسيء إلى الاستقرار الوطني ويعطل إرادة الحوار والتواصل بين اللبنانيين".
وشدد الحريري على أن تجارب السنين الماضية كافية لاستخلاص منها العبر، مؤكدا أن لا خيار سوى التضامن في سبيل ترسيخ الوحدة الوطنية والانطلاق في ورشة مواصلة بناء لبنان من جديد، واعطاء حكومة الوحدة الوطنية فرصة الاستثمار في الاستقرار لتتمكن من أداء دورها في الاستثمار الاقتصادي والاجتماعي، معتبرا أن الفرصة أمام لبنان لن تضيع، وموضحا أن عقارب الساعة لن تعود إلى الوراء.
وأضاف: "رغم كل الظروف والصعوبات، ها هي حكومتنا تضع في أولوياتها المباشرة تحسين البنية التحتية وقد أعدت دراسات قطاعية مفصّلة للبرامج الاستثمارية الكبرى، ستشمل مرافق الكهرباء والمياه والطرق والتعليم وشبكة الاتصالات. كما نعمل حالياً على تحسين بيئة الأعمال في لبنان، وتحقيق اللامركزية في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ما يعني لبنان، يعني المجموعة العربية، وكل ما يصيب الوطن العربي يعنينا نحن في لبنان، وليس من باب التخلي عن مسؤولياتنا الوطنية أن نقول أمامكم أن الاستقرار في لبنان هو مسؤولية عربية أيضا، بقدر ما هو مسؤولية اللبنانيين جميعا".
وأعرب الحريري عن سروره بالاستماع السبت إلى النداء الذي وجهه خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز إلى القيادات العراقية، ودعوته النبيلة إلى حل مشكلات العراق تحت مظلة الجامعة العربية، مشيرا إلى أن هذه الدعوة تضع الحلول لقضايانا العربية الشائكة في إطارها الصحيح، أي في الإطار القومي المطلوب، ومؤكدا أن لبنان سيكون في طليعة المؤيدين لها ومباركتها على كل صعيد، وسينصح جميع الأخوة في العراق بعدم تفويت هذه الفرصة الذهبية.
وختم الحريري: "رهاننا كبير، أيها الأخوة والأخوات، على هذا الملتقى الذي نتطلع لأن يشكل إضافة نوعية في الجهد العربي المشترك لمقاربة قضايانا الاقتصادية والاجتماعية. ولبنان لن يتأخر عن المشاركة في كل ما يعزز هذا الجهد ويطلق آليات التفكير في كيفية مواجهة التحديات".